السلطة التشريعية اعداد الباحث حسوني محمد عبد الغني

Ÿøûšrã Rë

عضو جديد
المشاركات
22
مستوى التفاعل
1
النقاط
3
بحث حول السلطة التشريعية في الجزائر

تُعدّ السلطة التشريعية في الجزائر من الركائز الأساسية التي يقوم عليها النظام الدستوري للدولة، لأنها تمثل الإرادة الشعبية في صورتها المؤسسية، وتتولى سنّ القوانين ومراقبة عمل الحكومة والمساهمة في تحقيق التوازن بين السلطات. وتبرز أهمية هذا الموضوع في كونه يرتبط مباشرة بطبيعة الدولة الدستورية وبمدى تجسيد مبدأ الفصل بين السلطات، خاصة بعد التعديلات الدستورية التي عرفتها الجزائر وآخرها دستور 2020 الذي أعاد تنظيم بعض جوانب العمل البرلماني، وعزّز الرقابة على السلطة التنفيذية، وحدد الإطار العام لاختصاصات البرلمان بغرفتيه. وتتمثل إشكالية البحث في السؤال الآتي: كيف نظم الدستور الجزائري السلطة التشريعية، وما هي بنيتها واختصاصاتها وآليات عملها في ظل النصوص الدستورية والقانونية السارية؟ ويهدف هذا البحث إلى بيان مفهوم السلطة التشريعية في الجزائر، وتحديد تشكيل البرلمان الجزائري، وشرح اختصاصاته التشريعية والرقابية، ثم إبراز علاقته بالحكومة وحدود تدخله في المجال القانوني. وقد اعتمدنا في معالجة الموضوع على المنهج الوصفي التحليلي من خلال تحليل أحكام دستور 2020، والقانون العضوي رقم 16-12 المحدد لتنظيم المجلس الشعبي الوطني ومجلس الأمة وعملهما وكذا العلاقات الوظيفية بينهما وبين الحكومة، مع الاستناد إلى بعض المصادر الرسمية للغرفتين البرلمانيتين. وانطلاقًا من ذلك، قُسّم البحث إلى مبحثين: خُصص الأول للإطار المفاهيمي والتنظيمي للسلطة التشريعية في الجزائر، وخُصص الثاني لاختصاصاتها وآليات ممارستها لوظيفتي التشريع والرقابة. وتقرر المادة 114 من دستور 2020 أن السلطة التشريعية يمارسها برلمان يتكون من غرفتين هما المجلس الشعبي الوطني ومجلس الأمة، وهو ما يكرس نظام الثنائية البرلمانية في الجزائر.

المبحث الأول: الإطار المفاهيمي والتنظيمي للسلطة التشريعية في الجزائر
المطلب الأول: مفهوم السلطة التشريعية وأساسها الدستوري
الفرع الأول: مفهوم السلطة التشريعية

يقصد بالسلطة التشريعية تلك السلطة التي تتولى سنّ القواعد القانونية العامة والمجردة باسم الشعب، في الحدود التي يقررها الدستور، كما تضطلع بوظيفة سياسية تتمثل في مراقبة عمل الحكومة ومناقشة السياسات العامة للدولة. وهي بهذا المعنى ليست مجرد هيئة لإصدار القوانين، بل مؤسسة تمثيلية ذات دور دستوري مزدوج: تشريعي ورقابي. وفي الجزائر، يكرّس الدستور هذا المفهوم بوضوح حين يجعل البرلمان فضاءً لممارسة السيادة الشعبية في بعدها التمثيلي، ويؤكد أن كل غرفة من غرفتي البرلمان لها السيادة في إعداد القانون والتصويت عليه وفي مراقبة عمل الحكومة، في إطار الاختصاصات المحددة دستوريًا.

الفرع الثاني: الأساس الدستوري للسلطة التشريعية

يقوم الأساس الدستوري للسلطة التشريعية في الجزائر على أحكام الفصل الثالث من دستور 2020 المتعلق بالبرلمان، والذي افتتح بالمادة 114 التي تنص على أن البرلمان يتكون من غرفتين: المجلس الشعبي الوطني ومجلس الأمة. كما تؤكد المادة 117 أن البرلمان، في إطار اختصاصاته الدستورية، يجب أن يبقى وفيًا لثقة الشعب وتطلعاته، وهو ما يبرز البعد التمثيلي والسياسي لهذه السلطة. ومن ثم فإن السلطة التشريعية في الجزائر تستمد مشروعيتها مباشرة من الدستور، وتمارس وظائفها ضمن نظام دستوري يقوم على التوازن بين السلطات لا على هيمنة إحداها على الأخرى.

المطلب الثاني: تشكيل البرلمان الجزائري
الفرع الأول: المجلس الشعبي الوطني

يُعد المجلس الشعبي الوطني الغرفة الأولى في البرلمان الجزائري، ويمثل الامتداد المباشر للإرادة الشعبية من خلال الانتخاب العام المباشر. وتحدد النصوص الدستورية والقانونية موقعه داخل البنية التشريعية باعتباره الهيئة التي تُودَع لديها مشاريع القوانين أصلًا في غالب الأحوال، وتناقش النصوص التشريعية داخل لجانه وجلساته العامة قبل إحالتها إلى مجلس الأمة. كما يضطلع المجلس الشعبي الوطني بدور محوري في مراقبة الحكومة من خلال مناقشة مخطط عملها، وتوجيه الأسئلة، واقتراح اللوائح، وتشكيل لجان التحقيق، وهو ما يجعل منه مركزًا مهمًا في الحياة النيابية الجزائرية. ويبين الموقع الرسمي للمجلس وجود لجان دائمة متخصصة، وهو ما يعكس الطابع المؤسساتي والفني للعمل التشريعي داخله.

الفرع الثاني: مجلس الأمة

يمثل مجلس الأمة الغرفة الثانية في البرلمان، ويقوم بدور مكمل في العملية التشريعية والرقابية. وتؤكد المصادر الرسمية لمجلس الأمة أن وظيفته الأساسية تتمثل في التشريع والرقابة على عمل الحكومة، وأنه يدرس النصوص التي صوّت عليها المجلس الشعبي الوطني ويصادق عليها بحسب نوع النص، كما يمارس اختصاصات رقابية متعددة. وقد أبرز الموقع الرسمي للمجلس أن دستور 2020 منح مجلس الأمة أيضًا صلاحيات تتصل باقتراح القوانين وتعديل مشاريع القوانين في مجالات محددة هي التنظيم المحلي وتهيئة الإقليم والتقسيم الإقليمي، وهو ما يعكس تطور مكانة هذه الغرفة داخل النظام البرلماني الجزائري. كما تنص النصوص الدستورية على أن عهدة مجلس الأمة ست سنوات مع تجديد نصف أعضائه كل ثلاث سنوات، بما يحقق نوعًا من الاستمرارية المؤسساتية.

المطلب الثالث: تنظيم البرلمان وعلاقته بالنصوص العضوية
الفرع الأول: القانون العضوي المنظم لعمل الغرفتين

لم يكتف الدستور بوضع المبادئ العامة للسلطة التشريعية، بل أحال إلى القانون العضوي لتحديد تنظيم المجلس الشعبي الوطني ومجلس الأمة وعملهما وكذا العلاقات الوظيفية بينهما وبين الحكومة. وفي هذا الإطار صدر القانون العضوي رقم 16-12 المؤرخ في 25 غشت 2016، وهو النص المرجعي الذي يضبط كثيرًا من تفاصيل المسار التشريعي، ووسائل الرقابة، وإجراءات المبادرة بالقوانين، وآليات المداولة الثانية، واللجنة المتساوية الأعضاء، وأشكال التعاون المؤسسي مع الحكومة. وتبرز أهمية هذا القانون في كونه يحول المبادئ الدستورية إلى قواعد إجرائية قابلة للتطبيق داخل الحياة البرلمانية اليومية.

الفرع الثاني: النظام الداخلي واللجان البرلمانية

يقوم العمل التشريعي في البرلمان الجزائري أيضًا على الأنظمة الداخلية للغرفتين، والتي تنظم سير الجلسات، وعمل اللجان، وكيفيات المناقشة والتصويت وممارسة الأدوات الرقابية. وتُعد اللجان البرلمانية من أهم البنى الداخلية للسلطة التشريعية، لأنها تتولى دراسة مشاريع القوانين واقتراحات القوانين دراسة فنية متخصصة قبل عرضها على الجلسة العامة. ويكشف الموقع الرسمي للمجلس الشعبي الوطني عن تعدد هذه اللجان بحسب المجالات القانونية والاقتصادية والاجتماعية، وهو ما يبرز أن التشريع في الجزائر لا يتم بطريقة ارتجالية، وإنما عبر آليات مؤسساتية متدرجة تضمن التحضير والمناقشة والتدقيق.

المبحث الثاني: اختصاصات السلطة التشريعية وآليات ممارستها في الجزائر
المطلب الأول: الاختصاص التشريعي للبرلمان
الفرع الأول: سنّ القوانين والمجال التشريعي

يتمثل الاختصاص الأصلي للسلطة التشريعية في سنّ القوانين في المجالات التي يحددها الدستور. وقد خصص دستور 2020 أحكامًا تبين الميادين التي يتدخل فيها البرلمان بالتشريع، بما يشمل تنظيم السلطات العمومية، والحقوق والحريات، والقواعد المتعلقة بالأحوال الشخصية، والجنسية، والالتزامات المدنية والتجارية، والقانون الجنائي، والمالية العامة، وغيرها من المجالات ذات الطبيعة التشريعية. ويمارس البرلمان هذا الاختصاص عبر دراسة مشاريع القوانين أو اقتراحات القوانين، ومناقشتها داخل اللجان والجلسات العامة، ثم التصويت عليها وفق الإجراءات المقررة. وهذا الاختصاص يجعل البرلمان المصدر الأساسي للقانون بالمعنى الشكلي داخل الدولة الجزائرية.

الفرع الثاني: المبادرة بالقوانين ومسار المصادقة

تُمارس المبادرة التشريعية في الجزائر من طرف الحكومة ومن طرف أعضاء البرلمان ضمن الحدود التي يرسمها الدستور والقانون العضوي. وتوضح المصادر الرسمية أن مجلس الأمة يملك، في مجالات معينة، حق اقتراح القوانين وتعديل مشاريعها، وخاصة في التنظيم المحلي وتهيئة الإقليم والتقسيم الإقليمي. وبعد إيداع النص، تتم دراسته في اللجنة المختصة، ثم يعرض على الجلسة العامة للمناقشة والتصويت، قبل إحالته إلى الغرفة الأخرى. وإذا وقع خلاف بين الغرفتين، يمكن تشكيل لجنة متساوية الأعضاء لاقتراح صيغة توافقية، وإن استمر الخلاف أمكن للحكومة أن تطلب من المجلس الشعبي الوطني الفصل نهائيًا وفق الشروط الدستورية. وهذه الآلية تظهر أن التشريع في الجزائر يقوم على التعاون المؤسسي بين الغرفتين مع بقاء الكلمة الأخيرة، في بعض الحالات، للمجلس الشعبي الوطني.

المطلب الثاني: الاختصاص الرقابي للبرلمان
الفرع الأول: الرقابة على عمل الحكومة

إلى جانب التشريع، يمارس البرلمان الجزائري رقابة على عمل الحكومة، وهو اختصاص أساسي أكدته النصوص الدستورية والمصادر الرسمية للغرفتين. وتتم هذه الرقابة من خلال مناقشة مخطط عمل الحكومة أو برنامجها، وإمكانية إصدار لائحة بشأنه، وتوجيه الأسئلة الشفوية والكتابية إلى أعضاء الحكومة، وعقد جلسات استماع، وتشكيل لجان تحقيق أو بعثات استعلامية مؤقتة. وقد عرض الموقع الرسمي لمجلس الأمة هذه الوسائل بصراحة، مؤكدًا أن الرقابة البرلمانية جزء أصيل من وظيفته الدستورية. وتكتسي هذه الوسائل أهمية كبيرة لأنها تمكن ممثلي الشعب من مساءلة الحكومة حول السياسات العامة والقضايا التي تهم المواطنين.

الفرع الثاني: الرقابة المالية والرقابة السياسية

تظهر الرقابة البرلمانية أيضًا في المجال المالي، حيث يناقش البرلمان قوانين المالية السنوية وقوانين المالية التكميلية وقوانين تسوية الميزانية، وهو ما يسمح له بمتابعة كيفية جمع الموارد العمومية وإنفاقها. كما تتجسد الرقابة السياسية في الاستجواب والمناقشات العامة واللوائح والأسئلة، وهي أدوات تبرز الوظيفة السياسية للبرلمان في مواجهة الحكومة. ويكتسب هذا الجانب أهمية خاصة في الأنظمة الدستورية الحديثة لأن البرلمان لا يقتصر دوره على إنتاج النصوص القانونية، بل يمتد إلى التحقق من مشروعية وملاءمة الأداء الحكومي في ضوء الصالح العام.

المطلب الثالث: حدود السلطة التشريعية وعلاقتها بالسلطة التنفيذية
الفرع الأول: الأوامر الرئاسية وحدود المجال البرلماني

رغم أن الأصل أن التشريع من اختصاص البرلمان، فإن الدستور الجزائري أجاز لرئيس الجمهورية أن يشرّع بأوامر في بعض الحالات، لاسيما خلال العطل البرلمانية أو في حالة شغور المجلس الشعبي الوطني أو في الحالات الاستثنائية المنصوص عليها دستوريًا، على أن تُعرض هذه الأوامر على كل غرفة من البرلمان في بداية الدورة القادمة للموافقة عليها، وإلا اعتُبرت لاغية. وتؤكد المصادر الرسمية لمجلس الأمة هذه القاعدة عند شرحها للمادة 142 من الدستور. وهذا يدل على أن المجال التشريعي في الجزائر ليس حكرًا مطلقًا على البرلمان، لكنه يبقى الأصل العام، بينما يظل تدخل السلطة التنفيذية استثناءً مضبوطًا بشروط دستورية.

الفرع الثاني: التوازن بين السلطتين التشريعية والتنفيذية

تكشف النصوص الدستورية الجزائرية عن سعي واضح إلى إقامة توازن بين السلطة التشريعية والسلطة التنفيذية، بحيث لا تنفرد أي منهما بوظائف الدولة الأساسية. فالبرلمان يسن القوانين ويراقب الحكومة، لكن الحكومة تحتفظ بحق المبادرة التشريعية وبطلب المداولة الثانية وبالاستعانة باللجنة المتساوية الأعضاء، كما أن لرئيس الجمهورية سلطة التشريع بأوامر في حالات معينة. ويعني ذلك أن النظام الدستوري الجزائري لا يقوم على فصل جامد بين السلطات، بل على فصل مرن قوامه التعاون والتوازن والرقابة المتبادلة. ومن هنا تظهر أهمية السلطة التشريعية ليس فقط بوصفها منتجة للقانون، بل باعتبارها عنصرًا رئيسيًا في البنية الدستورية للدولة.

الخاتمة

يتبين من خلال هذا البحث أن السلطة التشريعية في الجزائر تحتل مكانة مركزية في النظام الدستوري، باعتبارها السلطة التي تتولى تمثيل الإرادة الشعبية وصياغة القوانين ومراقبة الحكومة. وقد نظم دستور 2020 هذه السلطة ضمن إطار الثنائية البرلمانية، فجعل البرلمان يتكون من المجلس الشعبي الوطني ومجلس الأمة، وحدد لكل منهما دورًا في العملية التشريعية والرقابية. كما ظهر أن العمل البرلماني لا يستند فقط إلى النص الدستوري، بل يتكامل مع القانون العضوي رقم 16-12 والأنظمة الداخلية واللجان البرلمانية التي تضبط تفاصيل سير العمل داخل الغرفتين. وتبين أيضًا أن السلطة التشريعية في الجزائر تمارس اختصاصين أساسيين هما سنّ القوانين والرقابة على الحكومة، غير أن هذه الاختصاصات تمارس في إطار من التوازن مع السلطة التنفيذية التي تحتفظ ببعض الصلاحيات المؤثرة في المجال التشريعي. وعليه، فإن دراسة السلطة التشريعية في الجزائر تكشف عن بنية دستورية تسعى إلى التوفيق بين مبدأ السيادة الشعبية ومتطلبات الفعالية المؤسسية، بما يجعل البرلمان أحد الأعمدة الأساسية في بناء دولة القانون والمؤسسات.

المصادر والمراجع
أولًا: النصوص الدستورية والقانونية
دستور 2020،
المحكمة الدستورية الجزائرية، الفصل الثالث: البرلمان، خاصة المادة 114 وما يليها، 2020/2021.
القانون العضوي رقم 16-12 المؤرخ في 25 غشت 2016، يحدد تنظيم المجلس الشعبي الوطني ومجلس الأمة وعملهما وكذا العلاقات الوظيفية بينهما وبين الحكومة
المجلس الشعبي الوطني، الموقع الرسمي للمجلس الشعبي الوطني، أقسام الهيكلة واللجان والاختصاصات، الجزائر.
مجلس الأمة، “دور ووظيفة مجلس الأمة”، الموقع الرسمي لمجلس الأمة
القانون العضوي 16-12، الأمانة العامة للحكومة، بيان مهامها
 
أعلى