- المشاركات
- 22
- مستوى التفاعل
- 1
- النقاط
- 3
بحث حول العلاقة بين السلطة التنفيذية والسلطة التشريعية
اعداد الباحث حسوني محمد عبد الغني
مقدمة
تُعدّ العلاقة بين السلطة التنفيذية والسلطة التشريعية من أهم الموضوعات في القانون الدستوري، لأنها تكشف طبيعة النظام السياسي ومدى تجسيد مبدأ الفصل بين السلطات، كما تُظهر حدود التعاون والرقابة والتوازن بين أجهزة الدولة. وتزداد أهمية هذا الموضوع في الجزائر بالنظر إلى التطورات الدستورية التي عرفتها البلاد، ولاسيما دستور 2020، الذي أعاد تنظيم بعض آليات عمل البرلمان والحكومة، وحدد بصورة أدق مجالات التشريع ووسائل الرقابة البرلمانية وبعض أدوات تأثير السلطة التنفيذية في المسار التشريعي. وتتمثل إشكالية هذا البحث في السؤال الآتي: ما طبيعة العلاقة بين السلطة التنفيذية والسلطة التشريعية في الجزائر، وما مظاهر التعاون والرقابة والتأثير المتبادل بينهما في ظل دستور 2020 والنصوص العضوية المنظمة؟ ويهدف هذا البحث إلى بيان الأساس الدستوري للعلاقة بين السلطتين، ثم تحليل مجالات التعاون بينهما، وبعد ذلك إبراز وسائل الرقابة والتأثير وحدود التوازن الدستوري القائم بينهما. وقد اعتمدنا في معالجة الموضوع على المنهج الوصفي التحليلي، من خلال تحليل أحكام دستور 2020، والقانون العضوي رقم 16-12 المتعلق بتنظيم المجلس الشعبي الوطني ومجلس الأمة وعملهما وكذا العلاقات الوظيفية بينهما وبين الحكومة، إلى جانب بعض الدراسات الأكاديمية الجزائرية ذات الصلة. وانطلاقًا من ذلك، قُسِّم البحث إلى ثلاثة مباحث: خصص الأول للإطار المفاهيمي والدستوري للعلاقة بين السلطتين، والثاني لمجالات التعاون الوظيفي بينهما، والثالث لمظاهر الرقابة والتأثير المتبادل وحدود التوازن الدستوري. ويقرر دستور 2020 أن السلطة التشريعية يمارسها برلمان من غرفتين، كما يقرر أن البرلمان يراقب عمل الحكومة، في حين يتولى الوزير الأول أو رئيس الحكومة تنفيذ القوانين واللوائح، وهو ما يدل منذ البداية على أن العلاقة بين السلطتين في الجزائر ليست علاقة فصل جامد، بل علاقة توزيع اختصاصات مقرونة بالتعاون والرقابة.
المبحث الأول: الإطار المفاهيمي والدستوري للعلاقة بين السلطة التنفيذية والسلطة التشريعية
المطلب الأول: مفهوم العلاقة بين السلطتين في النظام الدستوري الجزائري
الفرع الأول: مدلول العلاقة بين السلطة التنفيذية والسلطة التشريعية
لا يقصد بالعلاقة بين السلطتين مجرد اتصال شكلي بين البرلمان والحكومة، بل يقصد بها مجموع الروابط الدستورية والقانونية التي تنظم توزيع الاختصاصات، وكيفية التعاون في أداء وظائف الدولة، وآليات الرقابة المتبادلة بين الطرفين. فالسلطة التشريعية تتولى سن القوانين ومراقبة الحكومة، بينما تضطلع السلطة التنفيذية بتنفيذ القوانين وقيادة العمل الحكومي واقتراح أغلب النصوص التشريعية. ومن ثم فالعلاقة بينهما تقوم على تكامل الوظائف لا على استقلال مطلق يعزل كل سلطة عن الأخرى. وقد أبرزت الدراسات الجزائرية الحديثة أن التعديل الدستوري لسنة 2020 اتجه إلى إبراز هذه الطبيعة التبادلية والتكاملية للعلاقة بين السلطتين داخل النظام الدستوري الجزائري.
الفرع الثاني: طبيعة هذه العلاقة بين الفصل والتعاون
يقوم النظام الدستوري الجزائري على الفصل المرن بين السلطات، لا على الفصل الجامد. ويتضح ذلك من كون البرلمان لا يحتكر التشريع احتكارًا مطلقًا، إذ تحتفظ السلطة التنفيذية بحق المبادرة بمشاريع القوانين، ولرئيس الجمهورية أدوات دستورية مؤثرة مثل طلب القراءة الثانية، والدعوة إلى دورات استثنائية، وإمكانية حل المجلس الشعبي الوطني أو اللجوء إلى انتخابات تشريعية مسبقة في الحالات المنصوص عليها. وفي المقابل، لا تبقى الحكومة بمنأى عن الرقابة، لأن البرلمان يملك مساءلتها بالأسئلة والاستجواب واللجان ولائحة الرقابة وسحب الثقة وفق الشروط الدستورية. لذلك فإن العلاقة بين السلطتين في الجزائر تقوم على التداخل الوظيفي المنظم دستوريًا في إطار التوازن والتعاون.
المطلب الثاني: الأساس الدستوري للعلاقة بين السلطتين
الفرع الأول: تحديد موقع كل سلطة في دستور 2020
حدد دستور 2020 بوضوح موقع السلطتين. فالوزير الأول أو رئيس الحكومة، حسب الحالة، يتولى توجيه وتنسيق ومراقبة عمل الحكومة، وتوزيع الصلاحيات بين أعضائها، والسهر على تنفيذ القوانين والأنظمة، وهو ما يجعل السلطة التنفيذية طرفًا فاعلًا في تحويل النصوص القانونية إلى واقع عملي. وفي المقابل، ينص الدستور على أن السلطة التشريعية يمارسها برلمان يتكون من غرفتين هما المجلس الشعبي الوطني ومجلس الأمة، وأن كل غرفة تضع القانون وتصوت عليه في إطار اختصاصها. كما ينص الدستور على أن البرلمان يراقب عمل الحكومة، وهو ما يبين أن العلاقة الدستورية بين السلطتين مؤسسة منذ النص الأصلي للدستور نفسه.
الفرع الثاني: المبادئ الدستورية المؤطرة لهذه العلاقة
تخضع العلاقة بين السلطتين في الجزائر لمجموعة من المبادئ الدستورية، من أهمها مبدأ سيادة الشعب، ومبدأ الشرعية الدستورية، ومبدأ الفصل بين السلطات، ومبدأ التعاون المؤسساتي. ويظهر ذلك من خلال توزيع الدستور للاختصاصات ومنع تغول إحدى السلطتين على الأخرى، مع فتح مجالات للتأثير المتبادل لضمان السير المنتظم للمؤسسات. كما يقرر الدستور أن البرلمان يظل وفيًا لثقة الشعب وتطلعاته، ويضمن للمعارضة البرلمانية حقوقًا في المشاركة الفعلية في العمل التشريعي وفي مراقبة عمل الحكومة، وهو ما يضفي بعدًا ديمقراطيًا على هذه العلاقة. وعليه، فإن التنظيم الدستوري الجزائري لا يكرس مواجهة بين السلطتين بقدر ما ينظم علاقة توازن وظيفي بينهما.
المطلب الثالث: الإطار العضوي والتنظيمي للعلاقة بينهما
الفرع الأول: دور القانون العضوي رقم 16-12
لم يكتف المؤسس الدستوري بإيراد المبادئ العامة، بل أحال إلى القانون العضوي رقم 16-12 المؤرخ في 25 غشت 2016، الذي يحدد تنظيم المجلس الشعبي الوطني ومجلس الأمة وعملهما وكذا العلاقات الوظيفية بينهما وبين الحكومة. وتكمن أهمية هذا القانون في أنه يفصل إجراءات المبادرة التشريعية، والمداولة، والرد الحكومي على اقتراحات القوانين، وآليات الرقابة، وصيغ التواصل المؤسسي بين أجهزة البرلمان والحكومة. وتؤكد الأمانة العامة للحكومة، في عرضها الرسمي لمهامها، أنها تتولى تلقي اقتراحات القوانين، وجمع آراء أعضاء الحكومة بشأنها، ثم تبليغ موقف الحكومة إلى المجلس الشعبي الوطني أو مجلس الأمة في أجل لا يتعدى شهرين، وفق أحكام المادة 24 من هذا القانون العضوي. وبذلك يتحول التعاون بين السلطتين من مبدأ عام إلى مسار إجرائي منظم.
الفرع الثاني: دور الأنظمة الداخلية واللجان البرلمانية
تسهم الأنظمة الداخلية للغرفتين البرلمانيتين في ضبط العلاقة العملية بين السلطة التنفيذية والسلطة التشريعية، لأنها تحدد إجراءات الأسئلة، والاستجوابات، وجلسات السماع، وأعمال اللجان، وكيفيات مناقشة مشاريع القوانين ومخطط عمل الحكومة وبيان السياسة العامة. كما يقرر الدستور أن لكل غرفة لجانًا دائمة، ويمكن لكل لجنة أن تنشئ بعثة إعلام مؤقتة حول موضوع محدد، وهو ما يوسع من مجالات الاتصال المؤسسي بين البرلمان والحكومة. وتؤكد المواقع الرسمية للغرفتين أن وظيفة البرلمان لا تقتصر على التشريع، بل تشمل أيضًا الرقابة على عمل الحكومة، وهو ما يظهر من تعدد اللجان وتنوع جلسات الاستماع والمناقشة. هكذا تصبح اللجان والأجهزة الداخلية إحدى أهم الحلقات التنظيمية في العلاقة بين السلطتين.
المبحث الثاني: مجالات التعاون الوظيفي بين السلطة التنفيذية والسلطة التشريعية
المطلب الأول: التعاون في المجال التشريعي
الفرع الأول: المبادرة بمشاريع القوانين واقتراحات القوانين
يتجلى التعاون بين السلطتين أولًا في المجال التشريعي، حيث إن سن القانون لا يتم في معزل عن السلطة التنفيذية. فالحكومة تمارس دورًا مركزيًا في إعداد مشاريع القوانين وعرضها على البرلمان، باعتبارها الأقدر من الناحية العملية على ضبط الحاجات التنظيمية والمالية والإدارية للدولة. وفي المقابل، يملك أعضاء البرلمان حق اقتراح القوانين، غير أن هذه الاقتراحات تُخطر بها الحكومة، وتُبدِي بشأنها موقفها في مجلس الوزراء خلال أجل محدد. هذا التفاعل يُبرز أن العملية التشريعية في الجزائر تقوم على تعاون مؤسسي بين الجهتين، بحيث لا ينفرد البرلمان وحده بإنتاج النصوص، ولا تستقل الحكومة بإقرارها دون المرور على البرلمان.
الفرع الثاني: دراسة النصوص والمصادقة عليها
تمر مشاريع القوانين ومقترحاتها عبر مراحل متتابعة تجمع بين الحكومة والبرلمان. فالنص يُودَع ويُدرس داخل اللجان المختصة، ثم يُناقش في الجلسات العامة، وبعد المصادقة عليه من إحدى الغرفتين يُحال إلى الأخرى حسب نوع النص وإجراءاته. كما يقرر مجلس الأمة في عرضه الرسمي أن وظيفته التشريعية تتمثل في دراسة النصوص التي صوّت عليها المجلس الشعبي الوطني والمصادقة عليها وفق الأغلبية المطلوبة بالنسبة للقوانين العادية أو العضوية. وتكشف هذه الآلية أن التشريع في الجزائر ليس عملًا أحاديًا، بل هو ثمرة تفاعل بين السلطة التنفيذية التي تبادر غالبًا بالنص، والسلطة التشريعية التي تناقش وتعدل وتصوّت. ومن هنا تتأكد الطبيعة التعاونية للعلاقة بينهما في المجال التشريعي.
المطلب الثاني: التعاون في تنظيم الحياة البرلمانية والسياسية
الفرع الأول: الدورات البرلمانية وتمديدها
يظهر التعاون أيضًا في تنظيم الدورات البرلمانية نفسها. فالدستور ينص على أن البرلمان يعقد دورة عادية واحدة كل سنة تدوم عشرة أشهر، تبدأ في ثاني يوم عمل من شهر سبتمبر وتنتهي في آخر يوم عمل من شهر يونيو. غير أن الوزير الأول أو رئيس الحكومة، حسب الحالة، يمكنه أن يطلب تمديد الدورة العادية لبضعة أيام من أجل استكمال دراسة نقطة من جدول الأعمال. وهذه القاعدة تعني أن السلطة التنفيذية تساهم في ضمان استمرارية العمل التشريعي عندما تقتضي الضرورة ذلك، دون أن تنتزع من البرلمان اختصاصه الأصيل. وبذلك تتحقق صورة عملية من صور التعاون التنظيمي بين السلطتين في تسيير الزمن البرلماني نفسه.
الفرع الثاني: الدورات غير العادية والاتصال السياسي
يقرر الدستور أيضًا إمكانية اجتماع البرلمان في دورة غير عادية بمبادرة من رئيس الجمهورية، كما يمكن أن يتم ذلك بطلب من الوزير الأول أو رئيس الحكومة أو بطلب من ثلثي أعضاء المجلس الشعبي الوطني. وتبرز في هذه القاعدة أهمية التنسيق السياسي والدستوري بين السلطتين، خاصة عندما تتطلب الظروف دراسة نصوص مستعجلة أو قضايا ذات أولوية وطنية. كما يسمح الدستور للبرلمان، بطلب من رئيس الجمهورية أو أحد رئيسي الغرفتين، بفتح نقاش حول السياسة الخارجية، وقد ينتهي ذلك إلى لائحة تُبلَّغ إلى رئيس الجمهورية. وتدل هذه الآليات على أن العلاقة بين السلطتين لا تقتصر على التشريع الداخلي، بل تمتد إلى القضايا السياسية الكبرى والتنسيق حولها.
المطلب الثالث: التعاون في المجال المالي والدولي
الفرع الأول: التعاون في المجال المالي
من أهم مجالات التعاون بين السلطتين المجال المالي، لأن إعداد الميزانية وتنفيذها يقتضي مشاركة الحكومة والبرلمان معًا. فالحكومة هي التي تعدّ مشروع قانون المالية وتنفذه، لكن البرلمان يناقشه ويصوت عليه، ثم يتابع تنفيذ الاعتمادات التي سبق أن وافق عليها. وينص الدستور على أن الحكومة تقدم إلى البرلمان، عند طلبه، المعلومات والوثائق اللازمة لممارسة اختصاصاته الرقابية، كما تنص أحكامه على أن الحكومة تقدم حساب استعمال الاعتمادات المصوت عليها عن كل سنة مالية، ويُختتم الأمر بالتصويت على قانون تسوية الميزانية من كلتا الغرفتين. وهذا الترتيب يؤكد أن المالية العامة تمثل مجالًا نموذجيًا للتعاون والرقابة في آن واحد.
الفرع الثاني: التعاون في المعاهدات والاتفاقيات
يتجلى التعاون كذلك في المجال الدولي، حيث نص الدستور على أن بعض المعاهدات لا تُصادَق عليها من رئيس الجمهورية إلا بعد موافقة صريحة من كل غرفة من غرفتي البرلمان، ومن ذلك اتفاقيات الهدنة والسلم والتحالف والاتحاد، والمعاهدات المتعلقة بحدود الدولة، والمعاهدات ذات الصلة بالأشخاص، وتلك التي تترتب عليها نفقات غير واردة في ميزانية الدولة، واتفاقيات التبادل الحر والاندماج الاقتصادي. وتكشف هذه الأحكام أن السلطة التنفيذية، رغم قيادتها للسياسة الخارجية، لا تستقل بها استقلالًا كاملًا، بل تحتاج إلى تدخل السلطة التشريعية في موضوعات دولية ذات أثر كبير على الدولة. لذلك فإن العلاقة بين السلطتين في الجزائر تمتد إلى المجال الدبلوماسي من خلال آلية المصادقة البرلمانية على المعاهدات.
المبحث الثالث: مظاهر الرقابة والتأثير المتبادل وحدود التوازن بين السلطتين
المطلب الأول: رقابة السلطة التشريعية على السلطة التنفيذية
الفرع الأول: الأسئلة البرلمانية ولجان التحقيق
يمتلك البرلمان الجزائري عدة وسائل رقابية تمكّنه من متابعة عمل الحكومة. ومن أهم هذه الوسائل الأسئلة الشفوية والكتابية، إذ يقرر الدستور أن أعضاء البرلمان يمكنهم توجيه أي سؤال إلى أي عضو من أعضاء الحكومة، على أن يرد على السؤال الكتابي خلال أجل أقصاه ثلاثون يومًا، وأن تعقد الغرفتان بالتناوب جلسة أسبوعية مخصصة للإجابة عن الأسئلة الشفوية. كما يمكن، إذا بدا أن الجواب يقتضي مناقشة أوسع، فتح نقاش وفق ما تحدده الأنظمة الداخلية. إلى جانب ذلك، يحق لكل غرفة إنشاء لجان تحقيق في المسائل ذات المصلحة العامة، ما لم تكن الوقائع محل متابعة قضائية. وهذه الوسائل تجعل البرلمان قادرًا على فحص أداء الحكومة بصورة دورية ومؤسساتية.
الفرع الثاني: الاستجواب ومناقشة تطبيق القوانين
لا تقف الرقابة البرلمانية عند حدود السؤال، بل تمتد إلى الاستجواب، وهو أداة رقابية أكثر عمقًا، يوجهها أعضاء البرلمان إلى الحكومة في القضايا ذات الأهمية الوطنية أو بشأن مدى تطبيق القوانين. وينص الدستور على أن الحكومة يجب أن تجيب عن الاستجواب خلال أجل أقصاه ثلاثون يومًا، وهو ما يكرس مسؤوليتها السياسية أمام البرلمان على الأقل في جانب المتابعة والتفسير والرد. كما تؤكد المواقع الرسمية لمجلس الأمة أن الرقابة على عمل الحكومة تُمارَس أيضًا عبر جلسات الاستماع والمناقشات واللوائح. وتفيد هذه الوسائل مجتمعة بأن السلطة التشريعية لا تقتصر على سن القواعد، بل تراقب كذلك مدى احترام السلطة التنفيذية لتلك القواعد عند التنفيذ.
المطلب الثاني: وسائل تأثير السلطة التنفيذية في السلطة التشريعية
الفرع الأول: القراءة الثانية وإصدار القوانين
تتمتع السلطة التنفيذية، وبخاصة رئيس الجمهورية، بوسائل مؤثرة في العمل التشريعي. فالدستور ينص على أن رئيس الجمهورية يصدر القانون خلال ثلاثين يومًا من تاريخ تسلمه، كما يملك أن يطلب قراءة ثانية للقانون المصوت عليه خلال الأجل نفسه، ولا يُعتمد النص بعد ذلك إلا بأغلبية مشددة مقدارها ثلثا أعضاء المجلس الشعبي الوطني وأعضاء مجلس الأمة. وتوضح الأمانة العامة للحكومة رسميًا أن هذه القراءة الثانية تُستخدم خصوصًا عندما يختلف النص الذي صادق عليه البرلمان جوهريًا عن مشروع الحكومة أو يعيد النظر في مضمونه العام. وهذا الاختصاص يكشف أن السلطة التنفيذية لا تظل متلقية للنصوص التشريعية فقط، بل تملك أدوات لإعادة توجيه النقاش التشريعي ضمن الحدود الدستورية.
الفرع الثاني: التشريع بأوامر والدعوة إلى الدورات
من أبرز مظاهر تأثير السلطة التنفيذية على السلطة التشريعية في الجزائر التشريع بأوامر. وتقرر الأمانة العامة للحكومة، استنادًا إلى أحكام الدستور، أن رئيس الجمهورية يمكنه التشريع بأوامر في حالات محددة، منها شغور المجلس الشعبي الوطني، أو خلال العطلة البرلمانية، أو في الحالة الاستثنائية، أو عند عدم مصادقة البرلمان على قانون المالية في الآجال المحددة، على أن تُودَع هذه الأوامر لاحقًا لدى البرلمان للموافقة عليها. كما أن لرئيس الجمهورية سلطة دعوة البرلمان إلى دورة غير عادية. وتظهر هذه الآليات أن السلطة التنفيذية تملك، في ظروف مخصوصة، وسائل للتدخل في المجال التشريعي، وهو تدخل مقيد دستوريًا لكنه ذو أثر عملي واضح في ميزان العلاقة بين السلطتين.
المطلب الثالث: حدود التوازن وآفاقه في النظام الدستوري الجزائري
الفرع الأول: حدود التوازن القائم
رغم تعدد الأدوات الرقابية والتعاونية، فإن التوازن بين السلطتين في الجزائر يبقى توازنًا غير متكافئ تمامًا في التطبيق، لأن السلطة التنفيذية تحتفظ بوسائل قوية، مثل المبادرة الغالبة بمشاريع القوانين، والقراءة الثانية، والتشريع بالأوامر، وإمكانية حل المجلس الشعبي الوطني أو اللجوء إلى انتخابات تشريعية مسبقة وفق الشروط الدستورية. في المقابل، تظل أهم وسيلة رقابية ذات أثر مباشر على مسؤولية الحكومة، وهي ملتمس الرقابة، محصورة في المجلس الشعبي الوطني وحده، وبشروط مشددة، إذ لا تُقبل إلا إذا وقّعها سبع النواب على الأقل، ولا تعتمد إلا بأغلبية الثلثين. ولذلك ترى بعض الدراسات الجزائرية أن العلاقة، وإن كانت تقوم نظريًا على التوازن، ما زالت تميل عمليًا إلى ترجيح كفة السلطة التنفيذية في جوانب متعددة.
الفرع الثاني: آفاق تعزيز العلاقة المتوازنة
إن تعزيز التوازن بين السلطتين لا يقتضي إضعاف السلطة التنفيذية، بل يقتضي تفعيل أدوات البرلمان، وتدعيم فعالية اللجان، وتكريس ثقافة المحاسبة السياسية، وتحسين جودة مناقشة مشاريع القوانين واقتراحاتها، وتوسيع الاستفادة من دور المعارضة البرلمانية الذي كفله الدستور. كما يمكن أن يسهم الانتظام في جلسات المساءلة، ونشر الأجوبة الحكومية، وتتبع تطبيق القوانين، في جعل الرقابة البرلمانية أكثر تأثيرًا في الواقع العملي. وتشير دراسات أكاديمية جزائرية حديثة إلى أن التعديل الدستوري 2020 قد وفر أرضية قانونية أحسن من السابق، غير أن فعالية هذا التوازن تبقى رهينة بالممارسة السياسية وبمدى استعمال الآليات الدستورية استعمالًا جديًا ومنتظمًا. وعليه، فإن العلاقة بين السلطتين في الجزائر مرشحة للتطور كلما اقترب التطبيق العملي من روح النص الدستوري.
الخاتمة
يتضح من خلال هذا البحث أن العلاقة بين السلطة التنفيذية والسلطة التشريعية في الجزائر تقوم على أساس دستوري يجمع بين الفصل المرن والتعاون والرقابة المتبادلة. فالسلطة التنفيذية تشارك في العملية التشريعية من خلال المبادرة بمشاريع القوانين، وطلب القراءة الثانية، والتشريع بأوامر في الحالات المحددة، كما تؤثر في وتيرة العمل البرلماني من خلال طلب تمديد الدورات أو اقتراح عقد دورات غير عادية. وفي المقابل، تمارس السلطة التشريعية رقابة على الحكومة بواسطة الأسئلة والاستجوابات ولجان التحقيق ومناقشة مخطط العمل وبيان السياسة العامة، بل ويمكن للمجلس الشعبي الوطني أن يثير مسؤولية الحكومة عبر ملتمس الرقابة وفق الشروط الدستورية. كما تبين أن دستور 2020 والقانون العضوي 16-12 يشكلان الإطار الأساسي لهذه العلاقة، غير أن التوازن العملي بين السلطتين يظل رهينًا بفعالية الممارسة البرلمانية وبمدى احترام روح التعاون الدستوري. ومن ثم فإن العلاقة بين السلطة التنفيذية والسلطة التشريعية في الجزائر ليست علاقة تعارض مطلق ولا تبعية مطلقة، بل علاقة مؤسساتية مركبة، تقوم على تداخل الوظائف وتوزيع الاختصاصات والسعي إلى ضمان السير المنتظم للمؤسسات في إطار دولة القانون.
المصادر والمراجع
دستور الجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية لسنة 2020،
القانون العضوي رقم 16-12 المؤرخ في 25 غشت 2016، الذي يحدد تنظيم المجلس الشعبي الوطني ومجلس الأمة وعملهما وكذا العلاقات الوظيفية بينهما وبين الحكومة،
مجلس الأمة، دور ووظيفة مجلس الأمة، الموقع الرسمي لمجلس الأمة، الجزائر
المجلس الشعبي الوطني، الموقع الرسمي للمجلس الشعبي الوطني، الجزائر، بيانات اللجان والهيكلة والأنشطة الرقابية
آمال بوحفصي، “العلاقة بين السلطتين التنفيذية والتشريعية في النظام الدستوري الجزائري من خلال التعديل الدستوري 2020”، مقال علمي منشور سنة 2023، جامعة الجيلالي اليابس سيدي بلعباس
بن غربي، “مجالات التعاون والتكامل بين السلطة التنفيذية والتشريعية في الجزائر”، مقال علمي منشور سنة 2023، جامعة زيان عاشور بالجلفة، كلية الحقوق
بوبكر شولي، “الرقابة البرلمانية على العمل الحكومي بين النص والتطبيق”، مقال علمي منشور في مجلة الميدان للدراسات الرياضية والاجتماعية والإنسانية، تاريخ النشر: 15 يوليو 2025،
تبينة، “مجالات التعاون والرقابة بين السلطتين التشريعية والتنفيذية”، مقال أكاديمي ، جامعة المسيلة منشور سنة 2020
اعداد الباحث حسوني محمد عبد الغني
مقدمة
تُعدّ العلاقة بين السلطة التنفيذية والسلطة التشريعية من أهم الموضوعات في القانون الدستوري، لأنها تكشف طبيعة النظام السياسي ومدى تجسيد مبدأ الفصل بين السلطات، كما تُظهر حدود التعاون والرقابة والتوازن بين أجهزة الدولة. وتزداد أهمية هذا الموضوع في الجزائر بالنظر إلى التطورات الدستورية التي عرفتها البلاد، ولاسيما دستور 2020، الذي أعاد تنظيم بعض آليات عمل البرلمان والحكومة، وحدد بصورة أدق مجالات التشريع ووسائل الرقابة البرلمانية وبعض أدوات تأثير السلطة التنفيذية في المسار التشريعي. وتتمثل إشكالية هذا البحث في السؤال الآتي: ما طبيعة العلاقة بين السلطة التنفيذية والسلطة التشريعية في الجزائر، وما مظاهر التعاون والرقابة والتأثير المتبادل بينهما في ظل دستور 2020 والنصوص العضوية المنظمة؟ ويهدف هذا البحث إلى بيان الأساس الدستوري للعلاقة بين السلطتين، ثم تحليل مجالات التعاون بينهما، وبعد ذلك إبراز وسائل الرقابة والتأثير وحدود التوازن الدستوري القائم بينهما. وقد اعتمدنا في معالجة الموضوع على المنهج الوصفي التحليلي، من خلال تحليل أحكام دستور 2020، والقانون العضوي رقم 16-12 المتعلق بتنظيم المجلس الشعبي الوطني ومجلس الأمة وعملهما وكذا العلاقات الوظيفية بينهما وبين الحكومة، إلى جانب بعض الدراسات الأكاديمية الجزائرية ذات الصلة. وانطلاقًا من ذلك، قُسِّم البحث إلى ثلاثة مباحث: خصص الأول للإطار المفاهيمي والدستوري للعلاقة بين السلطتين، والثاني لمجالات التعاون الوظيفي بينهما، والثالث لمظاهر الرقابة والتأثير المتبادل وحدود التوازن الدستوري. ويقرر دستور 2020 أن السلطة التشريعية يمارسها برلمان من غرفتين، كما يقرر أن البرلمان يراقب عمل الحكومة، في حين يتولى الوزير الأول أو رئيس الحكومة تنفيذ القوانين واللوائح، وهو ما يدل منذ البداية على أن العلاقة بين السلطتين في الجزائر ليست علاقة فصل جامد، بل علاقة توزيع اختصاصات مقرونة بالتعاون والرقابة.
المبحث الأول: الإطار المفاهيمي والدستوري للعلاقة بين السلطة التنفيذية والسلطة التشريعية
المطلب الأول: مفهوم العلاقة بين السلطتين في النظام الدستوري الجزائري
الفرع الأول: مدلول العلاقة بين السلطة التنفيذية والسلطة التشريعية
لا يقصد بالعلاقة بين السلطتين مجرد اتصال شكلي بين البرلمان والحكومة، بل يقصد بها مجموع الروابط الدستورية والقانونية التي تنظم توزيع الاختصاصات، وكيفية التعاون في أداء وظائف الدولة، وآليات الرقابة المتبادلة بين الطرفين. فالسلطة التشريعية تتولى سن القوانين ومراقبة الحكومة، بينما تضطلع السلطة التنفيذية بتنفيذ القوانين وقيادة العمل الحكومي واقتراح أغلب النصوص التشريعية. ومن ثم فالعلاقة بينهما تقوم على تكامل الوظائف لا على استقلال مطلق يعزل كل سلطة عن الأخرى. وقد أبرزت الدراسات الجزائرية الحديثة أن التعديل الدستوري لسنة 2020 اتجه إلى إبراز هذه الطبيعة التبادلية والتكاملية للعلاقة بين السلطتين داخل النظام الدستوري الجزائري.
الفرع الثاني: طبيعة هذه العلاقة بين الفصل والتعاون
يقوم النظام الدستوري الجزائري على الفصل المرن بين السلطات، لا على الفصل الجامد. ويتضح ذلك من كون البرلمان لا يحتكر التشريع احتكارًا مطلقًا، إذ تحتفظ السلطة التنفيذية بحق المبادرة بمشاريع القوانين، ولرئيس الجمهورية أدوات دستورية مؤثرة مثل طلب القراءة الثانية، والدعوة إلى دورات استثنائية، وإمكانية حل المجلس الشعبي الوطني أو اللجوء إلى انتخابات تشريعية مسبقة في الحالات المنصوص عليها. وفي المقابل، لا تبقى الحكومة بمنأى عن الرقابة، لأن البرلمان يملك مساءلتها بالأسئلة والاستجواب واللجان ولائحة الرقابة وسحب الثقة وفق الشروط الدستورية. لذلك فإن العلاقة بين السلطتين في الجزائر تقوم على التداخل الوظيفي المنظم دستوريًا في إطار التوازن والتعاون.
المطلب الثاني: الأساس الدستوري للعلاقة بين السلطتين
الفرع الأول: تحديد موقع كل سلطة في دستور 2020
حدد دستور 2020 بوضوح موقع السلطتين. فالوزير الأول أو رئيس الحكومة، حسب الحالة، يتولى توجيه وتنسيق ومراقبة عمل الحكومة، وتوزيع الصلاحيات بين أعضائها، والسهر على تنفيذ القوانين والأنظمة، وهو ما يجعل السلطة التنفيذية طرفًا فاعلًا في تحويل النصوص القانونية إلى واقع عملي. وفي المقابل، ينص الدستور على أن السلطة التشريعية يمارسها برلمان يتكون من غرفتين هما المجلس الشعبي الوطني ومجلس الأمة، وأن كل غرفة تضع القانون وتصوت عليه في إطار اختصاصها. كما ينص الدستور على أن البرلمان يراقب عمل الحكومة، وهو ما يبين أن العلاقة الدستورية بين السلطتين مؤسسة منذ النص الأصلي للدستور نفسه.
الفرع الثاني: المبادئ الدستورية المؤطرة لهذه العلاقة
تخضع العلاقة بين السلطتين في الجزائر لمجموعة من المبادئ الدستورية، من أهمها مبدأ سيادة الشعب، ومبدأ الشرعية الدستورية، ومبدأ الفصل بين السلطات، ومبدأ التعاون المؤسساتي. ويظهر ذلك من خلال توزيع الدستور للاختصاصات ومنع تغول إحدى السلطتين على الأخرى، مع فتح مجالات للتأثير المتبادل لضمان السير المنتظم للمؤسسات. كما يقرر الدستور أن البرلمان يظل وفيًا لثقة الشعب وتطلعاته، ويضمن للمعارضة البرلمانية حقوقًا في المشاركة الفعلية في العمل التشريعي وفي مراقبة عمل الحكومة، وهو ما يضفي بعدًا ديمقراطيًا على هذه العلاقة. وعليه، فإن التنظيم الدستوري الجزائري لا يكرس مواجهة بين السلطتين بقدر ما ينظم علاقة توازن وظيفي بينهما.
المطلب الثالث: الإطار العضوي والتنظيمي للعلاقة بينهما
الفرع الأول: دور القانون العضوي رقم 16-12
لم يكتف المؤسس الدستوري بإيراد المبادئ العامة، بل أحال إلى القانون العضوي رقم 16-12 المؤرخ في 25 غشت 2016، الذي يحدد تنظيم المجلس الشعبي الوطني ومجلس الأمة وعملهما وكذا العلاقات الوظيفية بينهما وبين الحكومة. وتكمن أهمية هذا القانون في أنه يفصل إجراءات المبادرة التشريعية، والمداولة، والرد الحكومي على اقتراحات القوانين، وآليات الرقابة، وصيغ التواصل المؤسسي بين أجهزة البرلمان والحكومة. وتؤكد الأمانة العامة للحكومة، في عرضها الرسمي لمهامها، أنها تتولى تلقي اقتراحات القوانين، وجمع آراء أعضاء الحكومة بشأنها، ثم تبليغ موقف الحكومة إلى المجلس الشعبي الوطني أو مجلس الأمة في أجل لا يتعدى شهرين، وفق أحكام المادة 24 من هذا القانون العضوي. وبذلك يتحول التعاون بين السلطتين من مبدأ عام إلى مسار إجرائي منظم.
الفرع الثاني: دور الأنظمة الداخلية واللجان البرلمانية
تسهم الأنظمة الداخلية للغرفتين البرلمانيتين في ضبط العلاقة العملية بين السلطة التنفيذية والسلطة التشريعية، لأنها تحدد إجراءات الأسئلة، والاستجوابات، وجلسات السماع، وأعمال اللجان، وكيفيات مناقشة مشاريع القوانين ومخطط عمل الحكومة وبيان السياسة العامة. كما يقرر الدستور أن لكل غرفة لجانًا دائمة، ويمكن لكل لجنة أن تنشئ بعثة إعلام مؤقتة حول موضوع محدد، وهو ما يوسع من مجالات الاتصال المؤسسي بين البرلمان والحكومة. وتؤكد المواقع الرسمية للغرفتين أن وظيفة البرلمان لا تقتصر على التشريع، بل تشمل أيضًا الرقابة على عمل الحكومة، وهو ما يظهر من تعدد اللجان وتنوع جلسات الاستماع والمناقشة. هكذا تصبح اللجان والأجهزة الداخلية إحدى أهم الحلقات التنظيمية في العلاقة بين السلطتين.
المبحث الثاني: مجالات التعاون الوظيفي بين السلطة التنفيذية والسلطة التشريعية
المطلب الأول: التعاون في المجال التشريعي
الفرع الأول: المبادرة بمشاريع القوانين واقتراحات القوانين
يتجلى التعاون بين السلطتين أولًا في المجال التشريعي، حيث إن سن القانون لا يتم في معزل عن السلطة التنفيذية. فالحكومة تمارس دورًا مركزيًا في إعداد مشاريع القوانين وعرضها على البرلمان، باعتبارها الأقدر من الناحية العملية على ضبط الحاجات التنظيمية والمالية والإدارية للدولة. وفي المقابل، يملك أعضاء البرلمان حق اقتراح القوانين، غير أن هذه الاقتراحات تُخطر بها الحكومة، وتُبدِي بشأنها موقفها في مجلس الوزراء خلال أجل محدد. هذا التفاعل يُبرز أن العملية التشريعية في الجزائر تقوم على تعاون مؤسسي بين الجهتين، بحيث لا ينفرد البرلمان وحده بإنتاج النصوص، ولا تستقل الحكومة بإقرارها دون المرور على البرلمان.
الفرع الثاني: دراسة النصوص والمصادقة عليها
تمر مشاريع القوانين ومقترحاتها عبر مراحل متتابعة تجمع بين الحكومة والبرلمان. فالنص يُودَع ويُدرس داخل اللجان المختصة، ثم يُناقش في الجلسات العامة، وبعد المصادقة عليه من إحدى الغرفتين يُحال إلى الأخرى حسب نوع النص وإجراءاته. كما يقرر مجلس الأمة في عرضه الرسمي أن وظيفته التشريعية تتمثل في دراسة النصوص التي صوّت عليها المجلس الشعبي الوطني والمصادقة عليها وفق الأغلبية المطلوبة بالنسبة للقوانين العادية أو العضوية. وتكشف هذه الآلية أن التشريع في الجزائر ليس عملًا أحاديًا، بل هو ثمرة تفاعل بين السلطة التنفيذية التي تبادر غالبًا بالنص، والسلطة التشريعية التي تناقش وتعدل وتصوّت. ومن هنا تتأكد الطبيعة التعاونية للعلاقة بينهما في المجال التشريعي.
المطلب الثاني: التعاون في تنظيم الحياة البرلمانية والسياسية
الفرع الأول: الدورات البرلمانية وتمديدها
يظهر التعاون أيضًا في تنظيم الدورات البرلمانية نفسها. فالدستور ينص على أن البرلمان يعقد دورة عادية واحدة كل سنة تدوم عشرة أشهر، تبدأ في ثاني يوم عمل من شهر سبتمبر وتنتهي في آخر يوم عمل من شهر يونيو. غير أن الوزير الأول أو رئيس الحكومة، حسب الحالة، يمكنه أن يطلب تمديد الدورة العادية لبضعة أيام من أجل استكمال دراسة نقطة من جدول الأعمال. وهذه القاعدة تعني أن السلطة التنفيذية تساهم في ضمان استمرارية العمل التشريعي عندما تقتضي الضرورة ذلك، دون أن تنتزع من البرلمان اختصاصه الأصيل. وبذلك تتحقق صورة عملية من صور التعاون التنظيمي بين السلطتين في تسيير الزمن البرلماني نفسه.
الفرع الثاني: الدورات غير العادية والاتصال السياسي
يقرر الدستور أيضًا إمكانية اجتماع البرلمان في دورة غير عادية بمبادرة من رئيس الجمهورية، كما يمكن أن يتم ذلك بطلب من الوزير الأول أو رئيس الحكومة أو بطلب من ثلثي أعضاء المجلس الشعبي الوطني. وتبرز في هذه القاعدة أهمية التنسيق السياسي والدستوري بين السلطتين، خاصة عندما تتطلب الظروف دراسة نصوص مستعجلة أو قضايا ذات أولوية وطنية. كما يسمح الدستور للبرلمان، بطلب من رئيس الجمهورية أو أحد رئيسي الغرفتين، بفتح نقاش حول السياسة الخارجية، وقد ينتهي ذلك إلى لائحة تُبلَّغ إلى رئيس الجمهورية. وتدل هذه الآليات على أن العلاقة بين السلطتين لا تقتصر على التشريع الداخلي، بل تمتد إلى القضايا السياسية الكبرى والتنسيق حولها.
المطلب الثالث: التعاون في المجال المالي والدولي
الفرع الأول: التعاون في المجال المالي
من أهم مجالات التعاون بين السلطتين المجال المالي، لأن إعداد الميزانية وتنفيذها يقتضي مشاركة الحكومة والبرلمان معًا. فالحكومة هي التي تعدّ مشروع قانون المالية وتنفذه، لكن البرلمان يناقشه ويصوت عليه، ثم يتابع تنفيذ الاعتمادات التي سبق أن وافق عليها. وينص الدستور على أن الحكومة تقدم إلى البرلمان، عند طلبه، المعلومات والوثائق اللازمة لممارسة اختصاصاته الرقابية، كما تنص أحكامه على أن الحكومة تقدم حساب استعمال الاعتمادات المصوت عليها عن كل سنة مالية، ويُختتم الأمر بالتصويت على قانون تسوية الميزانية من كلتا الغرفتين. وهذا الترتيب يؤكد أن المالية العامة تمثل مجالًا نموذجيًا للتعاون والرقابة في آن واحد.
الفرع الثاني: التعاون في المعاهدات والاتفاقيات
يتجلى التعاون كذلك في المجال الدولي، حيث نص الدستور على أن بعض المعاهدات لا تُصادَق عليها من رئيس الجمهورية إلا بعد موافقة صريحة من كل غرفة من غرفتي البرلمان، ومن ذلك اتفاقيات الهدنة والسلم والتحالف والاتحاد، والمعاهدات المتعلقة بحدود الدولة، والمعاهدات ذات الصلة بالأشخاص، وتلك التي تترتب عليها نفقات غير واردة في ميزانية الدولة، واتفاقيات التبادل الحر والاندماج الاقتصادي. وتكشف هذه الأحكام أن السلطة التنفيذية، رغم قيادتها للسياسة الخارجية، لا تستقل بها استقلالًا كاملًا، بل تحتاج إلى تدخل السلطة التشريعية في موضوعات دولية ذات أثر كبير على الدولة. لذلك فإن العلاقة بين السلطتين في الجزائر تمتد إلى المجال الدبلوماسي من خلال آلية المصادقة البرلمانية على المعاهدات.
المبحث الثالث: مظاهر الرقابة والتأثير المتبادل وحدود التوازن بين السلطتين
المطلب الأول: رقابة السلطة التشريعية على السلطة التنفيذية
الفرع الأول: الأسئلة البرلمانية ولجان التحقيق
يمتلك البرلمان الجزائري عدة وسائل رقابية تمكّنه من متابعة عمل الحكومة. ومن أهم هذه الوسائل الأسئلة الشفوية والكتابية، إذ يقرر الدستور أن أعضاء البرلمان يمكنهم توجيه أي سؤال إلى أي عضو من أعضاء الحكومة، على أن يرد على السؤال الكتابي خلال أجل أقصاه ثلاثون يومًا، وأن تعقد الغرفتان بالتناوب جلسة أسبوعية مخصصة للإجابة عن الأسئلة الشفوية. كما يمكن، إذا بدا أن الجواب يقتضي مناقشة أوسع، فتح نقاش وفق ما تحدده الأنظمة الداخلية. إلى جانب ذلك، يحق لكل غرفة إنشاء لجان تحقيق في المسائل ذات المصلحة العامة، ما لم تكن الوقائع محل متابعة قضائية. وهذه الوسائل تجعل البرلمان قادرًا على فحص أداء الحكومة بصورة دورية ومؤسساتية.
الفرع الثاني: الاستجواب ومناقشة تطبيق القوانين
لا تقف الرقابة البرلمانية عند حدود السؤال، بل تمتد إلى الاستجواب، وهو أداة رقابية أكثر عمقًا، يوجهها أعضاء البرلمان إلى الحكومة في القضايا ذات الأهمية الوطنية أو بشأن مدى تطبيق القوانين. وينص الدستور على أن الحكومة يجب أن تجيب عن الاستجواب خلال أجل أقصاه ثلاثون يومًا، وهو ما يكرس مسؤوليتها السياسية أمام البرلمان على الأقل في جانب المتابعة والتفسير والرد. كما تؤكد المواقع الرسمية لمجلس الأمة أن الرقابة على عمل الحكومة تُمارَس أيضًا عبر جلسات الاستماع والمناقشات واللوائح. وتفيد هذه الوسائل مجتمعة بأن السلطة التشريعية لا تقتصر على سن القواعد، بل تراقب كذلك مدى احترام السلطة التنفيذية لتلك القواعد عند التنفيذ.
المطلب الثاني: وسائل تأثير السلطة التنفيذية في السلطة التشريعية
الفرع الأول: القراءة الثانية وإصدار القوانين
تتمتع السلطة التنفيذية، وبخاصة رئيس الجمهورية، بوسائل مؤثرة في العمل التشريعي. فالدستور ينص على أن رئيس الجمهورية يصدر القانون خلال ثلاثين يومًا من تاريخ تسلمه، كما يملك أن يطلب قراءة ثانية للقانون المصوت عليه خلال الأجل نفسه، ولا يُعتمد النص بعد ذلك إلا بأغلبية مشددة مقدارها ثلثا أعضاء المجلس الشعبي الوطني وأعضاء مجلس الأمة. وتوضح الأمانة العامة للحكومة رسميًا أن هذه القراءة الثانية تُستخدم خصوصًا عندما يختلف النص الذي صادق عليه البرلمان جوهريًا عن مشروع الحكومة أو يعيد النظر في مضمونه العام. وهذا الاختصاص يكشف أن السلطة التنفيذية لا تظل متلقية للنصوص التشريعية فقط، بل تملك أدوات لإعادة توجيه النقاش التشريعي ضمن الحدود الدستورية.
الفرع الثاني: التشريع بأوامر والدعوة إلى الدورات
من أبرز مظاهر تأثير السلطة التنفيذية على السلطة التشريعية في الجزائر التشريع بأوامر. وتقرر الأمانة العامة للحكومة، استنادًا إلى أحكام الدستور، أن رئيس الجمهورية يمكنه التشريع بأوامر في حالات محددة، منها شغور المجلس الشعبي الوطني، أو خلال العطلة البرلمانية، أو في الحالة الاستثنائية، أو عند عدم مصادقة البرلمان على قانون المالية في الآجال المحددة، على أن تُودَع هذه الأوامر لاحقًا لدى البرلمان للموافقة عليها. كما أن لرئيس الجمهورية سلطة دعوة البرلمان إلى دورة غير عادية. وتظهر هذه الآليات أن السلطة التنفيذية تملك، في ظروف مخصوصة، وسائل للتدخل في المجال التشريعي، وهو تدخل مقيد دستوريًا لكنه ذو أثر عملي واضح في ميزان العلاقة بين السلطتين.
المطلب الثالث: حدود التوازن وآفاقه في النظام الدستوري الجزائري
الفرع الأول: حدود التوازن القائم
رغم تعدد الأدوات الرقابية والتعاونية، فإن التوازن بين السلطتين في الجزائر يبقى توازنًا غير متكافئ تمامًا في التطبيق، لأن السلطة التنفيذية تحتفظ بوسائل قوية، مثل المبادرة الغالبة بمشاريع القوانين، والقراءة الثانية، والتشريع بالأوامر، وإمكانية حل المجلس الشعبي الوطني أو اللجوء إلى انتخابات تشريعية مسبقة وفق الشروط الدستورية. في المقابل، تظل أهم وسيلة رقابية ذات أثر مباشر على مسؤولية الحكومة، وهي ملتمس الرقابة، محصورة في المجلس الشعبي الوطني وحده، وبشروط مشددة، إذ لا تُقبل إلا إذا وقّعها سبع النواب على الأقل، ولا تعتمد إلا بأغلبية الثلثين. ولذلك ترى بعض الدراسات الجزائرية أن العلاقة، وإن كانت تقوم نظريًا على التوازن، ما زالت تميل عمليًا إلى ترجيح كفة السلطة التنفيذية في جوانب متعددة.
الفرع الثاني: آفاق تعزيز العلاقة المتوازنة
إن تعزيز التوازن بين السلطتين لا يقتضي إضعاف السلطة التنفيذية، بل يقتضي تفعيل أدوات البرلمان، وتدعيم فعالية اللجان، وتكريس ثقافة المحاسبة السياسية، وتحسين جودة مناقشة مشاريع القوانين واقتراحاتها، وتوسيع الاستفادة من دور المعارضة البرلمانية الذي كفله الدستور. كما يمكن أن يسهم الانتظام في جلسات المساءلة، ونشر الأجوبة الحكومية، وتتبع تطبيق القوانين، في جعل الرقابة البرلمانية أكثر تأثيرًا في الواقع العملي. وتشير دراسات أكاديمية جزائرية حديثة إلى أن التعديل الدستوري 2020 قد وفر أرضية قانونية أحسن من السابق، غير أن فعالية هذا التوازن تبقى رهينة بالممارسة السياسية وبمدى استعمال الآليات الدستورية استعمالًا جديًا ومنتظمًا. وعليه، فإن العلاقة بين السلطتين في الجزائر مرشحة للتطور كلما اقترب التطبيق العملي من روح النص الدستوري.
الخاتمة
يتضح من خلال هذا البحث أن العلاقة بين السلطة التنفيذية والسلطة التشريعية في الجزائر تقوم على أساس دستوري يجمع بين الفصل المرن والتعاون والرقابة المتبادلة. فالسلطة التنفيذية تشارك في العملية التشريعية من خلال المبادرة بمشاريع القوانين، وطلب القراءة الثانية، والتشريع بأوامر في الحالات المحددة، كما تؤثر في وتيرة العمل البرلماني من خلال طلب تمديد الدورات أو اقتراح عقد دورات غير عادية. وفي المقابل، تمارس السلطة التشريعية رقابة على الحكومة بواسطة الأسئلة والاستجوابات ولجان التحقيق ومناقشة مخطط العمل وبيان السياسة العامة، بل ويمكن للمجلس الشعبي الوطني أن يثير مسؤولية الحكومة عبر ملتمس الرقابة وفق الشروط الدستورية. كما تبين أن دستور 2020 والقانون العضوي 16-12 يشكلان الإطار الأساسي لهذه العلاقة، غير أن التوازن العملي بين السلطتين يظل رهينًا بفعالية الممارسة البرلمانية وبمدى احترام روح التعاون الدستوري. ومن ثم فإن العلاقة بين السلطة التنفيذية والسلطة التشريعية في الجزائر ليست علاقة تعارض مطلق ولا تبعية مطلقة، بل علاقة مؤسساتية مركبة، تقوم على تداخل الوظائف وتوزيع الاختصاصات والسعي إلى ضمان السير المنتظم للمؤسسات في إطار دولة القانون.
المصادر والمراجع
دستور الجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية لسنة 2020،
القانون العضوي رقم 16-12 المؤرخ في 25 غشت 2016، الذي يحدد تنظيم المجلس الشعبي الوطني ومجلس الأمة وعملهما وكذا العلاقات الوظيفية بينهما وبين الحكومة،
مجلس الأمة، دور ووظيفة مجلس الأمة، الموقع الرسمي لمجلس الأمة، الجزائر
المجلس الشعبي الوطني، الموقع الرسمي للمجلس الشعبي الوطني، الجزائر، بيانات اللجان والهيكلة والأنشطة الرقابية
آمال بوحفصي، “العلاقة بين السلطتين التنفيذية والتشريعية في النظام الدستوري الجزائري من خلال التعديل الدستوري 2020”، مقال علمي منشور سنة 2023، جامعة الجيلالي اليابس سيدي بلعباس
بن غربي، “مجالات التعاون والتكامل بين السلطة التنفيذية والتشريعية في الجزائر”، مقال علمي منشور سنة 2023، جامعة زيان عاشور بالجلفة، كلية الحقوق
بوبكر شولي، “الرقابة البرلمانية على العمل الحكومي بين النص والتطبيق”، مقال علمي منشور في مجلة الميدان للدراسات الرياضية والاجتماعية والإنسانية، تاريخ النشر: 15 يوليو 2025،
تبينة، “مجالات التعاون والرقابة بين السلطتين التشريعية والتنفيذية”، مقال أكاديمي ، جامعة المسيلة منشور سنة 2020