مداخلة دور الذكاء الاصطناعي في رقمنة التراث الوثائقي والمخطوطات التاريخية ..المخطوطات الجزائرية ومخطوطات أدرار

اعداد الباحث حسوني محمد عبد الغني

دور الذكاء الاصطناعي في رقمنة التراث الوثائقي والمخطوطات التاريخية: المخطوطات الجزائرية ..مخطوطات أدرار
مقدمة

يمثل التراث المخطوط في الجزائر أحد أهم الأوعية الحافظة للذاكرة العلمية والدينية والاجتماعية، لما يتضمنه من مصاحف، وكتب فقه، ونوازل، ورسائل علمية، ووثائق اجتماعية، ومراسلات، وفهارس، وإجازات، ووقفيات، وغيرها من النصوص التي تحفظ جانبًا معتبرًا من التاريخ الثقافي للبلاد. وتبرز أدرار ضمن هذا السياق بوصفها فضاءً متميزًا في الخريطة الوطنية للمخطوطات، لما تزخر به منطقة توات من خزائن عائلية وعلمية، ولما تحتضنه الولاية من مؤسسات معنية بالجرد والفهرسة والدراسة والرقمنة. وتؤكد بحوث جزائرية متخصصة أن خزائن المخطوطات في توات تمثل إرثًا علميًا وتاريخيًا بالغ الأهمية، كما تؤكد دراسات أخرى أن الجنوب الجزائري عمومًا، ومنه أدرار، يضم مراكز وخزائن مخطوطات ذات رصيد معتبر يحتاج إلى مزيد من الحفظ والإتاحة العلمية.

غير أن هذا الرصيد، على أهميته، يواجه جملة من التحديات، منها هشاشة الأوعية، وتشتت الخزائن، وضعف الوصف العلمي الشامل، وصعوبة الوصول إلى كثير من المخطوطات المحفوظة في الخزائن الخاصة، فضلًا عن بطء المعالجة اليدوية مقارنة بحجم الرصيد. ومن هنا تبرز أهمية الذكاء الاصطناعي، لا بوصفه بديلًا عن المختص، بل بوصفه أداة يمكن أن تسهم في رفع كفاءة الرقمنة، وتحسين الصور، وتسهيل الفهرسة، وتعزيز الوصول، وربط المخطوطات ببيئات بحثية رقمية أكثر فاعلية. وقد نبّهت اليونسكو في وثائقها الحديثة إلى أن الذكاء الاصطناعي قادر على خدمة التراث الوثائقي، لكنه يحتاج إلى استخدام متبصر يضمن الثقة في التراث الرقمي ولا يخل بأصالة الوثيقة.

أولًا: لماذا يُعدّ المثال الجزائري، والأدراري خصوصًا، مناسبًا لتوظيف الذكاء الاصطناعي؟

تُظهر البيئة الجزائرية عمومًا، وبيئة أدرار على وجه أخص، توافر عناصر تجعل الذكاء الاصطناعي ذا قيمة عملية كبيرة. أول هذه العناصر هو كثافة الرصيد المخطوط وتنوعه. فالدراسات المنشورة حول توات تصف المخطوطات المحلية بأنها سجل علمي واجتماعي وتاريخي يعكس عمق الحركة الفكرية في المنطقة، كما تبرز أهمية الخزائن الخاصة والعائلية المنتشرة فيها. وثانيها هو وجود بنية مؤسساتية، منها المركز الوطني للمخطوطات بأدرار، الذي له مقر رسمي معروف ضمن خارطة التراث الثقافي الجزائري، إضافة إلى النشاط العلمي الذي تحتضنه جامعة أحمد دراية ومخبر المخطوطات التابع لها، ووجود بوابة رقمية جزائرية للمخطوطات متصلة بهذه البيئة. وثالثها هو تراكم الجهد العلمي المحلي، إذ توجد مجلة “رفوف” الصادرة عن مخبر المخطوطات بجامعة أدرار، فضلًا عن مقالات وبحوث متخصصة في مخطوطات أدرار من الجرد والفهرسة إلى الدراسة والتحقيق.

ولهذا، فإن أدرار تصلح أن تكون حالة نموذجية لتطبيق الرقمنة الذكية على المخطوطات الجزائرية، لأنها تجمع بين الرصيد، والمؤسسة، والخبرة البحثية، والحاجة الملحة للحفظ والإتاحة.

ثانيًا: مجالات توظيف الذكاء الاصطناعي في مخطوطات الجزائر وأدرار

أول مجال هو تحسين الصور الرقمية للمخطوطات. كثير من مخطوطات الخزائن الخاصة في الجزائر، ومنها خزائن توات، تعاني من قدم الورق، وبهتان الحبر، وتآكل بعض الهوامش، ورداءة بعض عمليات التصوير القديمة. هنا يمكن للذكاء الاصطناعي أن يساعد في تنظيف الصور، ورفع التباين، وتصحيح الميل، وتقليل التشويش، وإبراز الحروف الباهتة، بما يجعل النسخة الرقمية أكثر قابلية للقراءة والفحص والوصف. وهذه الوظيفة مهمة جدًا في مخطوطات أدرار، لأن جزءًا من الإشكال ليس في وجود المخطوط فقط، بل في إمكان قراءته ومعالجته علميًا بعد تصويره. وتؤكد دراسات جزائرية حديثة أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يؤدي دورًا فعليًا في الحفاظ على الأرشيف المكتوب ومعالجة الوثائق القديمة وإتاحتها بصورة أفضل.

ثاني مجال هو التعرف على النصوص وفكّ الخطوط والمساعدة في القراءة. صحيح أن المخطوطات العربية، وخاصة الصحراوية منها، لا تزال تمثل تحديًا بسبب تنوع الخطوط والعلامات والحواشي والاختصارات، لكن الذكاء الاصطناعي يستطيع أن يقدم دعمًا أوليًا مهمًا، خاصة في المخطوطات الواضحة نسبيًا أو في النصوص المتكررة أو الصيغ الوثائقية المعهودة. وبالنسبة لأدرار، فإن هذا يفيد في مخطوطات الفقه، والفتاوى، والرسائل، والنوازل، والوثائق المحلية، لأنه يسهل استخراج النصوص أو أجزاء منها، ويمكّن من بناء قواعد بيانات نصية تدريجية. ويظهر من اهتمام المجلات الجزائرية المتخصصة بالمخطوطات العربية أن هذا المجال بات حاضرًا بقوة في البحث العلمي.

ثالث مجال هو الفهرسة الذكية والوصف العلمي المساعد. كثير من مخطوطات الجزائر ما زالت بحاجة إلى جرد أدق وفهرسة علمية أوسع. وهنا يمكن للذكاء الاصطناعي أن يقترح عناوين، وموضوعات، وكلمات مفتاحية، وأسماء أعلام، وأماكن، ويستخرج بيانات أولية تساعد المفهرس. ولا يعني ذلك الاستغناء عن المفهرس أو المحقق، بل تخفيف العبء الأولي عنه. وهذا الجانب مهم جدًا في أدرار، لأن الدراسات نفسها تناولت الانتقال من الجرد والفهرسة الوصفية إلى الفهرسة العلمية، كما تناولت دور المركز الوطني للمخطوطات بأدرار في الجرد والفهرسة، مما يعني أن البيئة المحلية مهيأة أصلًا لمثل هذا التطوير.

رابع مجال هو تحسين الإتاحة وبناء بوابات بحث ذكية. وجود البوابة الجزائرية للمخطوطات المرتبطة بجامعة أدرار ومخبر المخطوطات يفتح مجالًا مهمًا لإدماج أدوات ذكاء اصطناعي في البحث داخل الرصيد، وربط المخطوطات المتقاربة موضوعًا أو مؤلفًا أو منطقة أو خزينة، وتسهيل اكتشاف الباحثين للمواد ذات الصلة. وهذا مهم لمخطوطات أدرار خاصة لأن جزءًا من قيمتها العلمية لا يظهر إلا إذا أُدرجت داخل بيئة رقمية تسمح بالمقارنة بين خزائن توات وتيديكلت وقورارة، وبين المخطوطات الجزائرية الموجودة داخل الجزائر وتلك المنتشرة في غرب إفريقيا.

ثالثًا: ماذا يمكن أن يستفيد تحديدًا تراث أدرار المخطوط من هذا التحول؟

إذا أسقطنا هذه الإمكانات على ولاية أدرار، أمكن تصور فوائد عملية واضحة. أولها أن الذكاء الاصطناعي قد يساعد على إنقاذ جزء من الذاكرة المخطوطة من خطر الاندثار البطيء، عبر تحسين نسخها الرقمية وإنشاء أوصاف أكثر دقة تسهل تداولها العلمي بدل بقائها حبيسة الخزائن الخاصة أو الصور المبعثرة. ثانيها أنه يمكن أن يدعم المشاريع المحلية القائمة، مثل المركز الوطني للمخطوطات ومخبر المخطوطات بجامعة أدرار، لا أن يستبدلها. وثالثها أنه يفتح المجال أمام مشروع علمي جهوي يربط بين مخطوطات توات وتيديكلت وقورارة، من حيث الجرد، والوصف، والتصوير، والتحليل الموضوعي، وبناء خرائط معرفية للمؤلفين والموضوعات والخزائن. وتؤكد الصحافة الجزائرية والكتابات المحلية استمرار الحديث عن خزائن مخطوطات توات وتيديكلت وقورارة بوصفها كنزًا علميًا وتراثيًا يحتاج إلى مزيد من الرعاية والتثمين.

كما يمكن أن يخدم الذكاء الاصطناعي الجانب التعليمي والبحثي في أدرار، إذ يسمح بتحويل المخطوط المحلي من “موضوع حفظ” فقط إلى “موضوع بحث حي”، يمكن لطلبة التاريخ، واللغة، والفقه، وعلم المخطوط، والأرشيف، أن يتعاملوا معه ضمن مشروعات رقمية، وتحقيقات علمية، ودراسات نصية، وفهارس متخصصة. وهنا يصبح التراث المخطوط عنصرًا في التنمية العلمية المحلية لا مجرد رصيد محفوظ.

رابعًا: الحدود والاحتياطات في الحالة الجزائرية والأدرارية

مع كل هذه الإمكانات، ينبغي الانتباه إلى أن الذكاء الاصطناعي لا يقرأ المخطوط كما يقرأه المختص، ولا يفهم دائمًا خصائص الخطوط المحلية، ولا يميز بالضرورة بين المتن والحاشية والتملك والوقف والتعقيبات، ولا يدرك قيمة الفروق الكوديكولوجية والمادية. ولهذا فإن أكبر خطأ هو التعامل مع مخرجاته بوصفها نهائية. وقد حذرت اليونسكو من أن الاستخدام غير المتبصر للذكاء الاصطناعي قد يمس الثقة في التراث الوثائقي نفسه.

وفي أدرار تحديدًا، حيث كثير من المخطوطات محفوظ في خزائن خاصة أو عائلية، يظهر أيضًا بعد آخر هو الثقة المجتمعية. فنجاح أي مشروع رقمنة ذكية لا يتوقف فقط على التقنية، بل على كسب ثقة أصحاب الخزائن، واحترام خصوصية ممتلكاتهم، وتوضيح حدود الاستخدام الرقمي، وضمان عدم المساس بالأصل أو بحقوقهم المعنوية. كما أن بعض المخطوطات قد تثير مسائل تتعلق بالملكية، أو الإذن بالتصوير، أو النشر، أو الإتاحة المفتوحة، وهي مسائل لا بد أن تُعالج قبل التفكير في الأتمتة الواسعة.

خامسًا: تصور عملي لأدرار

عمليًا، يمكن اقتراح نموذج من خمس مراحل خاص بمخطوطات أدرار:
تبدأ المرحلة الأولى بـ الجرد الميداني العلمي للخزائن والمجموعات، مع توثيق الحالة المادية للمخطوطات.
ثم تأتي المرحلة الثانية وهي التصوير عالي الجودة وفق معايير موحدة.
ثم المرحلة الثالثة، وهي المعالجة الذكية المساعدة: تحسين الصور، واقتراح بيانات أولية، والمساعدة في القراءة عند الإمكان.
ثم المرحلة الرابعة، وهي المراجعة البشرية العلمية من طرف مختصي المخطوطات والفهرسة والتحقيق.
وأخيرًا المرحلة الخامسة، وهي الإدراج داخل بوابة وطنية أو جهوية ذكية تسمح بالبحث والاسترجاع والمقارنة.

هذا النموذج يحقق التوازن المطلوب: يجعل الذكاء الاصطناعي في خدمة المخطوط، لكن لا يرفع يده فوق يد المختص.

خاتمة

إن إسقاط موضوع الذكاء الاصطناعي على المخطوطات الجزائرية، وعلى مخطوطات أدرار بوجه خاص، يكشف أن الحديث ليس نظريًا ولا مستوردًا من بيئات بعيدة، بل يرتبط بواقع محلي غني ومعقد ومهيأ للتطوير. فأدرار بما تحمله من خزائن توات، ومؤسساتها، ومخبرها الجامعي، وبوابتها الرقمية، تمثل بيئة مناسبة جدًا لتجريب الرقمنة الذكية للمخطوطات. غير أن نجاح هذا المسار مشروط بعدم اختزال الرقمنة في التقنية، وعدم اختزال المخطوط في صورته الرقمية، وبناء شراكة متوازنة بين الذكاء الاصطناعي والخبرة الإنسانية. فالغاية ليست إنتاج صور أكثر وضوحًا فقط، بل حفظ ذاكرة علمية أصيلة، وإتاحتها بصورة موثوقة، وربطها بالبحث العلمي المعاصر من دون أن تفقد روحها أو مادتها أو سياقها.

مراجع

رزوقي عبد الله، بن منوفي محمد، المخطوطات في منطقة توات أهميتها وأبعادها التاريخية، مقال علمي، 2016.

دنداني زبير، رزوقي عبد الله، خزائن المخطوطات في منطقة توات (ولاية أدرار) أهميتها وأبعادها التاريخية، مقال علمي، 2010.

بلخير عبد …، دور المركز الوطني للمخطوطات بأدرار في جرد وفهرسة مخطوطات الغرب الجزائري، مقال/بحث جامعي، 2022.

فطيمة …، مخطوطات أدرار: من الجرد والفهرسة الوصفية إلى الفهرسة العلمية، مقال علمي، 2018.

منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة، الذكاء الاصطناعي والتراث الوثائقي.

الاتحاد الدولي لجمعيات ومؤسسات المكتبات، استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي لتحسين الاكتشاف وإتاحة الوصول في المكتبات والأرشيفات، 2024.

البوابة الجزائرية للمخطوطات، جامعة أحمد دراية أدرار، بوابة المخطوطات الجزائرية.

مديرية الثقافة/خارطة التراث الثقافي الجزائري، المركز الوطني للمخطوطات، أدرا
 
أعلى