- المشاركات
- 152
- مستوى التفاعل
- 8
- النقاط
- 18
ما خلفه النزيف
الفصل الأول
ليلة فبراير
«بعض الليالي تبدأ هادئة، لا لأنها كذلك، بل لأنها تعرف كيف تُخفي العاصفة حتى آخر لحظة.»
◆
كان المطر بالنسبة إلى فاطمة أكثر من طقسٍ عابر. لم تره يومًا مجرد غيمٍ يفرغ ما فيه ثم يمضي، ولا ماءً يغسل الأرصفة ويتركها تلمع تحت مصابيح الشوارع. كان نافذةً سرية تفتحها السماء على طفولتها، فتعود إليها رائحة التراب المبتل، وسكينة البيوت حين يلتف أهلها حول المدفأة، وصوت أبيها وهو يطمئنها كلما ارتجفت النوافذ تحت ضربات الريح.
أحبت المطر كما تُحب الأشياء التي لا تطالبنا بشيء. كانت تكتفي بأن تسمعه، فتشعر أن العالم، مهما اشتد صخبه، ما يزال قادرًا على الهمس. وحده الرعد كان يفسد تلك الصداقة القديمة. ما إن يشق السماء حتى تستيقظ داخلها طفلة لا تعرف كيف كبرت وبقي خوفها على حاله؛ طفلة تبحث بعينيها عن يدٍ تمسك بها وتقول لها إن الصوت، مهما بدا قريبًا، لن يدخل البيت.
في تلك الليلة من فبراير، فتحت نافذة المطبخ مقدار شبر. اندفع الهواء البارد إلى الداخل، فحرّك الستارة البيضاء ونثر في المكان رائحة الأرض بعد البلل. أغمضت فاطمة عينيها، ورفعت وجهها قليلًا، كأن النسمة جاءت من مكان تعرفه.
ابتسمت.
وراءها، كانت المقلاة تسخن، وعلى الرخامة اصطفّت أوعية صغيرة: دقيق، وحليب، وبيض، وزبدة ذائبة، وعلبة قهوة لم تعد تتذكر لماذا أخرجتها أصلًا. مدت يدها إلى هاتفها ورفعت الصوت. كان كاظم الساهر يغني، وكانت الأغنية التي تعرفها عن ظهر قلب تنساب في الشقة بهدوء. تمتمت مع الكلمات الأولى من «قولي لي كيف سأنقذ نفسي»، ثم التقطت الملعقة الخشبية كما لو أنها أمسكت بيد شريك في رقصة قديمة.
خطت خطوة إلى اليمين، وأخرى إلى الخلف، واستدارت حول نفسها بخفة. كانت حافية القدمين، ترتدي ثوبًا منزليًا عاجي اللون، وتجمع شعرها الذهبي الطويل عند أعلى رأسها بمشبك لم ينجح في احتوائه كله. انزلقت خصلة بمحاذاة خدها، فحاولت إبعادها بنفخة سريعة دون أن تتوقف عن الرقص.
لم تكن ترقص لأنها تجيد الرقص فقط. كانت تفعل ذلك لأن بعض الفرح يضيق عن الكلمات، فيبحث لنفسه عن مخرج آخر. وحين تكون وحدها، لا تحتاج إلى جمهور كي تفرح؛ يكفيها أن تشعر أن البيت حي معها.
استدارت مرة أخرى، ثم رفعت الملعقة كأنها تحيي جمهورًا متخيَّلًا.
وفي اللحظة نفسها، تسللت إلى أنفها رائحة خفيفة لم تكن جزءًا من الأغنية.
توقفت.
اتسعت عيناها.
- يا ساتر!
اندفعت نحو الموقد وقلبت قطعة الكريب في اللحظة الأخيرة. التصق طرفها قليلًا بالمقلاة، واكتسى بلونٍ ذهبي داكن، لكنه نجا من الاحتراق الكامل. حملتها بطرف الملعقة، وحدقت فيها بصرامة مصطنعة.
- قلت لكِ لا تحترقي... ليس اليوم.
ثم ضحكت وحدها، ضحكة صافية لا تخجل من فراغ الغرفة.
كانت فاطمة، في السابعة والعشرين، تملك موهبة لا تُدرّس في المدرسة التي تعمل بها: تحويل التفاصيل الصغيرة إلى أسبابٍ كافية للسعادة. يمكن لفنجان قهوة مُرّة أن يصنع صباحها، ولزهرة بيضاء أن تُصلح مزاج يومٍ كامل، ولرسالة قصيرة من طارق أن تجعلها تبتسم وهي وسط زحام التلاميذ وتصحيح الدفاتر.
أما البيت، فكان يشبهها إلى حدٍّ بعيد. ألوان فاتحة، وستائر بيضاء، وشموع بعطر الياسمين، وكتب موزعة حيث لا ينبغي للكتب أن تكون، وأزهار صغيرة على الطاولات، ورائحة قهوة تسكن المكان حتى في الساعات التي لا تكون فيها القهوة حاضرة.
كانت تقول إن الإنسان أول من يستحق أن يرى الجمال؛ لذلك لم تكن تؤجل أناقتها إلى الخارج. تختار أثوابها المنزلية بألوان هادئة وأقمشة ناعمة، وتصر على أغطية السرير المصنوعة من الساتان أو الحرير. كان طارق يسخر منها كلما عادت بغطاء جديد.
- أقسم أنك لو استطعتِ، لفرشتِ أرض البيت كلها حريرًا.
فتجيبه وهي تنفض الغطاء فوق السرير:
- ولمَ لا؟ الحياة متعبة بما يكفي. فلنجعل النوم جميلًا على الأقل.
رفعت شعرها بيد واحدة حتى لا يقترب من النار، وأعادت تثبيته. كان ينسدل إلى ما بعد خصرها، كثيفًا وناعمًا، ويحتاج إلى صبرٍ طويل كل مساء. أحبّه طارق منذ أول مرة رآه فيها، حتى إنه كان يراقبها وهي تمشطه كما لو أنها تؤدي طقسًا لا يحق لأحد مقاطعته.
لكن الخصلة المتمردة أفلتت من جديد.
نفخت فيها.
ابتعدت عن عينها لحظة، ثم عادت.
حاولت مرة ثانية، فاستقرت فوق خدها في عناد.
هزّت رأسها مستسلمة.
- حسنًا... أنتِ انتصرتِ.
وتركتها مكانها.
لم تكن فاطمة تعرف السكون. تتحرك في البيت كما تتحرك الموسيقى: تفتح خزانة وتنسى بابها مفتوحًا، تبحث عن السكر فتجد نفسها تحمل علبة الملح، تعد القهوة ثم تنشغل بسقي النباتات حتى يبرد الفنجان دون أن تتذوقه. كان طارق يقول لها دائمًا، وهو يغلق خلفها الأبواب الصغيرة التي تتركها مفتوحة:
- أنتِ لا تصنعين الفوضى.
ثم يتأمل البيت ويضيف:
- أنتِ تصنعين الحياة.
ورغم أنه كرر الجملة كثيرًا خلال الأشهر السبعة الماضية، كانت تضحك كل مرة كأنها تسمعها للمرة الأولى.
أكملت إعداد الكريب، ثم رتبت القطع في علبة ورقية بيضاء. وضعت بينها مناديل رقيقة حتى لا تلتصق، وسوّت الحواف، وربطت العلبة بشريط صغير. لم يكن طارق سيدقق في شكلها، وربما سيفتحها على عجل بين مريضين، لكنها كانت تؤمن أن الحب يظهر غالبًا في الأشياء التي لا ينتبه إليها أحد.
وقفت تتأمل العلبة برضا.
- الآن أصبحتِ تليقين به.
رن الهاتف.
لم تنظر إلى الشاشة. لهذا الرنين نبرة تعرفها قبل أن ترى الاسم. مسحت يديها في المئزر الأبيض، وأجابت والابتسامة ما تزال على شفتيها.
- السلام عليكم.
جاءها صوته هادئًا، يحمل أثر مناوبة طويلة لكنه لم يفقد دفأه.
- وعليكم السلام. ماذا تفعلين؟
نظرت إلى المقلاة، ثم إلى العلبة، وقالت بجدية مفتعلة:
- أخوض مفاوضات صعبة مع الكريب.
- ومن الغالب؟
رمقت القطعة التي اسمرّ طرفها، وأخفتها أسفل البقية بسرعة.
- أنا، طبعًا.
ضحك.
- مسكين. لا أعرف لماذا يصر على دخول معركة خاسرة كل مرة.
- لا تدافع عنه كثيرًا، سيغتر بنفسه.
ساد بينهما صمت قصير، مريح، من ذلك النوع الذي لا يحتاج فيه المحبون إلى ملء الفراغ. كانت تسمع في الخلفية حركة عربات وأصواتًا خافتة، بينما كان يسمع هو صفير المقلاة وأغنية كاظم وهي تتراجع قليلًا في المسافة.
قال:
- المناوبة هادئة حتى الآن.
- الحمد لله.
- تعالي نشرب الشاي معًا. إذا وصلت حالة مستعجلة أعود إلى عملي، وتبقين أنتِ مسؤولة عن حماية الكريب.
التفتت إلى النافذة. كان المطر قد اشتد، وبدأت القطرات تضرب الزجاج بإيقاع أسرع. لم تخف من الطريق؛ كانت تقود بحذر وتعرف المدينة جيدًا. ما جعلها تتردد هو الضوء الذي لمّح في البعيد إلى عاصفة تتشكل.
وكأن السماء التقطت الفكرة من رأسها، دوّى الرعد في اللحظة نفسها.
تجمدت يدها حول الهاتف. اختفت الابتسامة من وجهها، واتسعت عيناها دون إرادة. بقيت تحدق في النافذة كأن الصوت يمكن أن يعود منها.
لاحظ طارق صمتها.
- بدأ الرعد، أليس كذلك؟
همست:
- نعم.
لم يضحك، ولم يقل إن خوفها طفولي. لم يفعل ذلك منذ عرفها. كان يعرف أن السخرية من خوفٍ لا تقتله، بل تجعله أكثر وحدة.
- ابقي في البيت. آتي أنا عندما تنتهي المناوبة.
أغمضت عينيها لحظة، واستعادت أنفاسها. كان يكفيها أحيانًا أن تسمع صوته كي يصير الرعد أبعد.
- لا. سآتي أنا.
- فاطمة...
- وأعدك أن أصل قبل أن يغضب الرعد مني.
ضحك هذه المرة.
- وأنا أعدك أن يكون الشاي جاهزًا.
- لا تجعله خفيفًا كما تفعل دائمًا.
- أنا طبيب، أعرف المقادير.
- وهذا بالضبط ما يقلقني.
ضحك ثانية، وضحكت معه حتى دمعت عيناها. وحين انتهت المكالمة، بقيت تحدق في الشاشة السوداء لحظات، كأن صوته ترك عليها ضوءًا لا ينطفئ بسرعة.
وضعت الهاتف فوق الطاولة وعادت إلى النافذة. كانت قطرات المطر كثيفة، تنحدر على الزجاج في مسارات متشابكة. قالت للغيم بصوت خافت:
- لا تُكثر الليلة... أريد أن أصل قبل أن يتحول الشارع إلى نهر.
أغلقت النافذة، ومسحت بقدمها بضع قطرات تسللت إلى الداخل، ثم حملت العلبة واتجهت إلى غرفة النوم.
كان السرير مرتبًا بعناية، والوسائد مصطفة، وعلى المنضدة صورة تجمعها بطارق في أول أسبوع بعد زواجهما. كانا يضحكان فيها دون سبب ظاهر؛ هي تنظر إلى الكاميرا، وهو ينظر إليها.
توقفت أمام الصورة، ورفعت الإطار بين يديها.
سبعة أشهر فقط، ومع ذلك بدا لها أحيانًا أنها عرفته منذ حياة أخرى. مرت إصبعها على الزجاج وقالت:
- كيف مرّت بهذه السرعة؟
أعادت الصورة إلى مكانها، وفتحت خزانة الملابس. تجاوزت المعاطف الداكنة حتى توقفت أمام معطف بلون العاج. كان طارق قد أهداه لها في أول شتاء جمعهما. يومها، حين سألته لماذا اختار هذا اللون، قال:
- لأنه يشبهك؛ هادئ، لكنه لا يمر من دون أن ينتبه إليه أحد.
سخرت منه طويلًا لأنه تكلم كأنه يكتب إعلانًا تجاريًا، لكنها ارتدته منذ ذلك اليوم أكثر من أي معطف آخر.
ارتدته، ثم وقفت أمام المرآة. عدلت حجابها بعناية، وثبتت أطرافه عند كتفيها. انزلقت الخصلة نفسها من جانب وجهها، فنفخت فيها وضحكت.
- يبدو أنك عنيدة مثلي.
أعادتها تحت الحجاب، ثم التقطت حقيبتها. وقبل أن تغادر، أدت عادتها اليومية: أطفأت المصابيح واحدًا واحدًا، اختبرت صنبور الماء، عادت إلى الموقد مرتين، وضغطت مفتاح الغاز حتى تأكدت أنه مغلق. كان طارق يقول إنها تستطيع العودة من منتصف الطريق لتتحقق من بابٍ تعرف يقينًا أنها أقفلته.
وكانت تجيبه:
- الحذر لا يؤذي أحدًا.
- لكنه يؤذيني عندما نعود من آخر الشارع.
مرّت بالمزهرية الموضوعة على طاولة الصالة. كانت تضم ثلاث زنابق بيضاء، بدأت واحدة منها تذبل. أخرجتها برفق، ووضعتها في سلة المهملات، ثم مالت نحو الزهرتين الباقيتين.
- لا تقلقا، سأشتري لكما رفيقتين غدًا.
ابتسمت من نفسها. كانت تعرف أن الحديث إلى الأشياء عادة غريبة، لكنها لم تحاول التخلص منها. في عالمها، لكل شيء روح صغيرة: للفنجان المفضل، وللمزهرية، وللكتاب المفتوح على وجهه، حتى للبيت حين تتركه وحيدًا.
أطفأت الضوء الأخير وأغلقت الباب خلفها.
الفصل الأول
ليلة فبراير
«بعض الليالي تبدأ هادئة، لا لأنها كذلك، بل لأنها تعرف كيف تُخفي العاصفة حتى آخر لحظة.»
◆
كان المطر بالنسبة إلى فاطمة أكثر من طقسٍ عابر. لم تره يومًا مجرد غيمٍ يفرغ ما فيه ثم يمضي، ولا ماءً يغسل الأرصفة ويتركها تلمع تحت مصابيح الشوارع. كان نافذةً سرية تفتحها السماء على طفولتها، فتعود إليها رائحة التراب المبتل، وسكينة البيوت حين يلتف أهلها حول المدفأة، وصوت أبيها وهو يطمئنها كلما ارتجفت النوافذ تحت ضربات الريح.
أحبت المطر كما تُحب الأشياء التي لا تطالبنا بشيء. كانت تكتفي بأن تسمعه، فتشعر أن العالم، مهما اشتد صخبه، ما يزال قادرًا على الهمس. وحده الرعد كان يفسد تلك الصداقة القديمة. ما إن يشق السماء حتى تستيقظ داخلها طفلة لا تعرف كيف كبرت وبقي خوفها على حاله؛ طفلة تبحث بعينيها عن يدٍ تمسك بها وتقول لها إن الصوت، مهما بدا قريبًا، لن يدخل البيت.
في تلك الليلة من فبراير، فتحت نافذة المطبخ مقدار شبر. اندفع الهواء البارد إلى الداخل، فحرّك الستارة البيضاء ونثر في المكان رائحة الأرض بعد البلل. أغمضت فاطمة عينيها، ورفعت وجهها قليلًا، كأن النسمة جاءت من مكان تعرفه.
ابتسمت.
وراءها، كانت المقلاة تسخن، وعلى الرخامة اصطفّت أوعية صغيرة: دقيق، وحليب، وبيض، وزبدة ذائبة، وعلبة قهوة لم تعد تتذكر لماذا أخرجتها أصلًا. مدت يدها إلى هاتفها ورفعت الصوت. كان كاظم الساهر يغني، وكانت الأغنية التي تعرفها عن ظهر قلب تنساب في الشقة بهدوء. تمتمت مع الكلمات الأولى من «قولي لي كيف سأنقذ نفسي»، ثم التقطت الملعقة الخشبية كما لو أنها أمسكت بيد شريك في رقصة قديمة.
خطت خطوة إلى اليمين، وأخرى إلى الخلف، واستدارت حول نفسها بخفة. كانت حافية القدمين، ترتدي ثوبًا منزليًا عاجي اللون، وتجمع شعرها الذهبي الطويل عند أعلى رأسها بمشبك لم ينجح في احتوائه كله. انزلقت خصلة بمحاذاة خدها، فحاولت إبعادها بنفخة سريعة دون أن تتوقف عن الرقص.
لم تكن ترقص لأنها تجيد الرقص فقط. كانت تفعل ذلك لأن بعض الفرح يضيق عن الكلمات، فيبحث لنفسه عن مخرج آخر. وحين تكون وحدها، لا تحتاج إلى جمهور كي تفرح؛ يكفيها أن تشعر أن البيت حي معها.
استدارت مرة أخرى، ثم رفعت الملعقة كأنها تحيي جمهورًا متخيَّلًا.
وفي اللحظة نفسها، تسللت إلى أنفها رائحة خفيفة لم تكن جزءًا من الأغنية.
توقفت.
اتسعت عيناها.
- يا ساتر!
اندفعت نحو الموقد وقلبت قطعة الكريب في اللحظة الأخيرة. التصق طرفها قليلًا بالمقلاة، واكتسى بلونٍ ذهبي داكن، لكنه نجا من الاحتراق الكامل. حملتها بطرف الملعقة، وحدقت فيها بصرامة مصطنعة.
- قلت لكِ لا تحترقي... ليس اليوم.
ثم ضحكت وحدها، ضحكة صافية لا تخجل من فراغ الغرفة.
كانت فاطمة، في السابعة والعشرين، تملك موهبة لا تُدرّس في المدرسة التي تعمل بها: تحويل التفاصيل الصغيرة إلى أسبابٍ كافية للسعادة. يمكن لفنجان قهوة مُرّة أن يصنع صباحها، ولزهرة بيضاء أن تُصلح مزاج يومٍ كامل، ولرسالة قصيرة من طارق أن تجعلها تبتسم وهي وسط زحام التلاميذ وتصحيح الدفاتر.
أما البيت، فكان يشبهها إلى حدٍّ بعيد. ألوان فاتحة، وستائر بيضاء، وشموع بعطر الياسمين، وكتب موزعة حيث لا ينبغي للكتب أن تكون، وأزهار صغيرة على الطاولات، ورائحة قهوة تسكن المكان حتى في الساعات التي لا تكون فيها القهوة حاضرة.
كانت تقول إن الإنسان أول من يستحق أن يرى الجمال؛ لذلك لم تكن تؤجل أناقتها إلى الخارج. تختار أثوابها المنزلية بألوان هادئة وأقمشة ناعمة، وتصر على أغطية السرير المصنوعة من الساتان أو الحرير. كان طارق يسخر منها كلما عادت بغطاء جديد.
- أقسم أنك لو استطعتِ، لفرشتِ أرض البيت كلها حريرًا.
فتجيبه وهي تنفض الغطاء فوق السرير:
- ولمَ لا؟ الحياة متعبة بما يكفي. فلنجعل النوم جميلًا على الأقل.
رفعت شعرها بيد واحدة حتى لا يقترب من النار، وأعادت تثبيته. كان ينسدل إلى ما بعد خصرها، كثيفًا وناعمًا، ويحتاج إلى صبرٍ طويل كل مساء. أحبّه طارق منذ أول مرة رآه فيها، حتى إنه كان يراقبها وهي تمشطه كما لو أنها تؤدي طقسًا لا يحق لأحد مقاطعته.
لكن الخصلة المتمردة أفلتت من جديد.
نفخت فيها.
ابتعدت عن عينها لحظة، ثم عادت.
حاولت مرة ثانية، فاستقرت فوق خدها في عناد.
هزّت رأسها مستسلمة.
- حسنًا... أنتِ انتصرتِ.
وتركتها مكانها.
لم تكن فاطمة تعرف السكون. تتحرك في البيت كما تتحرك الموسيقى: تفتح خزانة وتنسى بابها مفتوحًا، تبحث عن السكر فتجد نفسها تحمل علبة الملح، تعد القهوة ثم تنشغل بسقي النباتات حتى يبرد الفنجان دون أن تتذوقه. كان طارق يقول لها دائمًا، وهو يغلق خلفها الأبواب الصغيرة التي تتركها مفتوحة:
- أنتِ لا تصنعين الفوضى.
ثم يتأمل البيت ويضيف:
- أنتِ تصنعين الحياة.
ورغم أنه كرر الجملة كثيرًا خلال الأشهر السبعة الماضية، كانت تضحك كل مرة كأنها تسمعها للمرة الأولى.
أكملت إعداد الكريب، ثم رتبت القطع في علبة ورقية بيضاء. وضعت بينها مناديل رقيقة حتى لا تلتصق، وسوّت الحواف، وربطت العلبة بشريط صغير. لم يكن طارق سيدقق في شكلها، وربما سيفتحها على عجل بين مريضين، لكنها كانت تؤمن أن الحب يظهر غالبًا في الأشياء التي لا ينتبه إليها أحد.
وقفت تتأمل العلبة برضا.
- الآن أصبحتِ تليقين به.
رن الهاتف.
لم تنظر إلى الشاشة. لهذا الرنين نبرة تعرفها قبل أن ترى الاسم. مسحت يديها في المئزر الأبيض، وأجابت والابتسامة ما تزال على شفتيها.
- السلام عليكم.
جاءها صوته هادئًا، يحمل أثر مناوبة طويلة لكنه لم يفقد دفأه.
- وعليكم السلام. ماذا تفعلين؟
نظرت إلى المقلاة، ثم إلى العلبة، وقالت بجدية مفتعلة:
- أخوض مفاوضات صعبة مع الكريب.
- ومن الغالب؟
رمقت القطعة التي اسمرّ طرفها، وأخفتها أسفل البقية بسرعة.
- أنا، طبعًا.
ضحك.
- مسكين. لا أعرف لماذا يصر على دخول معركة خاسرة كل مرة.
- لا تدافع عنه كثيرًا، سيغتر بنفسه.
ساد بينهما صمت قصير، مريح، من ذلك النوع الذي لا يحتاج فيه المحبون إلى ملء الفراغ. كانت تسمع في الخلفية حركة عربات وأصواتًا خافتة، بينما كان يسمع هو صفير المقلاة وأغنية كاظم وهي تتراجع قليلًا في المسافة.
قال:
- المناوبة هادئة حتى الآن.
- الحمد لله.
- تعالي نشرب الشاي معًا. إذا وصلت حالة مستعجلة أعود إلى عملي، وتبقين أنتِ مسؤولة عن حماية الكريب.
التفتت إلى النافذة. كان المطر قد اشتد، وبدأت القطرات تضرب الزجاج بإيقاع أسرع. لم تخف من الطريق؛ كانت تقود بحذر وتعرف المدينة جيدًا. ما جعلها تتردد هو الضوء الذي لمّح في البعيد إلى عاصفة تتشكل.
وكأن السماء التقطت الفكرة من رأسها، دوّى الرعد في اللحظة نفسها.
تجمدت يدها حول الهاتف. اختفت الابتسامة من وجهها، واتسعت عيناها دون إرادة. بقيت تحدق في النافذة كأن الصوت يمكن أن يعود منها.
لاحظ طارق صمتها.
- بدأ الرعد، أليس كذلك؟
همست:
- نعم.
لم يضحك، ولم يقل إن خوفها طفولي. لم يفعل ذلك منذ عرفها. كان يعرف أن السخرية من خوفٍ لا تقتله، بل تجعله أكثر وحدة.
- ابقي في البيت. آتي أنا عندما تنتهي المناوبة.
أغمضت عينيها لحظة، واستعادت أنفاسها. كان يكفيها أحيانًا أن تسمع صوته كي يصير الرعد أبعد.
- لا. سآتي أنا.
- فاطمة...
- وأعدك أن أصل قبل أن يغضب الرعد مني.
ضحك هذه المرة.
- وأنا أعدك أن يكون الشاي جاهزًا.
- لا تجعله خفيفًا كما تفعل دائمًا.
- أنا طبيب، أعرف المقادير.
- وهذا بالضبط ما يقلقني.
ضحك ثانية، وضحكت معه حتى دمعت عيناها. وحين انتهت المكالمة، بقيت تحدق في الشاشة السوداء لحظات، كأن صوته ترك عليها ضوءًا لا ينطفئ بسرعة.
وضعت الهاتف فوق الطاولة وعادت إلى النافذة. كانت قطرات المطر كثيفة، تنحدر على الزجاج في مسارات متشابكة. قالت للغيم بصوت خافت:
- لا تُكثر الليلة... أريد أن أصل قبل أن يتحول الشارع إلى نهر.
أغلقت النافذة، ومسحت بقدمها بضع قطرات تسللت إلى الداخل، ثم حملت العلبة واتجهت إلى غرفة النوم.
كان السرير مرتبًا بعناية، والوسائد مصطفة، وعلى المنضدة صورة تجمعها بطارق في أول أسبوع بعد زواجهما. كانا يضحكان فيها دون سبب ظاهر؛ هي تنظر إلى الكاميرا، وهو ينظر إليها.
توقفت أمام الصورة، ورفعت الإطار بين يديها.
سبعة أشهر فقط، ومع ذلك بدا لها أحيانًا أنها عرفته منذ حياة أخرى. مرت إصبعها على الزجاج وقالت:
- كيف مرّت بهذه السرعة؟
أعادت الصورة إلى مكانها، وفتحت خزانة الملابس. تجاوزت المعاطف الداكنة حتى توقفت أمام معطف بلون العاج. كان طارق قد أهداه لها في أول شتاء جمعهما. يومها، حين سألته لماذا اختار هذا اللون، قال:
- لأنه يشبهك؛ هادئ، لكنه لا يمر من دون أن ينتبه إليه أحد.
سخرت منه طويلًا لأنه تكلم كأنه يكتب إعلانًا تجاريًا، لكنها ارتدته منذ ذلك اليوم أكثر من أي معطف آخر.
ارتدته، ثم وقفت أمام المرآة. عدلت حجابها بعناية، وثبتت أطرافه عند كتفيها. انزلقت الخصلة نفسها من جانب وجهها، فنفخت فيها وضحكت.
- يبدو أنك عنيدة مثلي.
أعادتها تحت الحجاب، ثم التقطت حقيبتها. وقبل أن تغادر، أدت عادتها اليومية: أطفأت المصابيح واحدًا واحدًا، اختبرت صنبور الماء، عادت إلى الموقد مرتين، وضغطت مفتاح الغاز حتى تأكدت أنه مغلق. كان طارق يقول إنها تستطيع العودة من منتصف الطريق لتتحقق من بابٍ تعرف يقينًا أنها أقفلته.
وكانت تجيبه:
- الحذر لا يؤذي أحدًا.
- لكنه يؤذيني عندما نعود من آخر الشارع.
مرّت بالمزهرية الموضوعة على طاولة الصالة. كانت تضم ثلاث زنابق بيضاء، بدأت واحدة منها تذبل. أخرجتها برفق، ووضعتها في سلة المهملات، ثم مالت نحو الزهرتين الباقيتين.
- لا تقلقا، سأشتري لكما رفيقتين غدًا.
ابتسمت من نفسها. كانت تعرف أن الحديث إلى الأشياء عادة غريبة، لكنها لم تحاول التخلص منها. في عالمها، لكل شيء روح صغيرة: للفنجان المفضل، وللمزهرية، وللكتاب المفتوح على وجهه، حتى للبيت حين تتركه وحيدًا.
أطفأت الضوء الأخير وأغلقت الباب خلفها.