- المشاركات
- 155
- مستوى التفاعل
- 8
- النقاط
- 18
الفصل الأول: شتاء يشبه الحياة
«بعض الليالي تبدأ هادئة، لا لأنها كذلك، بل لأنها تعرف كيف تُخفي العاصفة حتى آخر لحظة.»
◆
كان المطر بالنسبة لها أكثر من طقسٍ عابر. لم تره يومًا مجرد غيمٍ ينثر ما فيه ثم يمضي، ولا ماءً يغسل الأرصفة ويتركها تلمع تحت مصابيح الشوارع. كان نافذةً سرية تفتحها السماء على طفولتها، فتعود إليها رائحة التراب المبلل، وسكينة البيوت حين يلتف أهلها حول المدفأة، وصوت أبيها وهو يطمئنها كلما ارتجفت النوافذ تحت ضربات الريح.
أحبت المطر كما تُحب الأشياء التي لا تطالبنا بشيء. كانت تكتفي بأن تسمعه، فتشعر أن العالم، مهما اشتد صخبه، ما يزال قادرًا على الهمس. وحده الرعد كان يفسد تلك الصداقة القديمة. ما إن يشق السماء حتى تستيقظ داخلها طفلة لا تعرف كيف كبرت وبقي خوفها على حاله؛ طفلة تبحث بعينيها عن يدٍ تمسك بها وتقول لها إن الصوت، مهما بدا قريبًا، لن يدخل البيت.
في تلك الليلة من فبراير، فتحت نافذة المطبخ مقدار شبر. اندفع الهواء البارد إلى الداخل، فحرّك الستارة البيضاء ونثر في المكان رائحة الأرض بعد البلل. أغمضت فاطمة عينيها، ورفعت وجهها قليلًا، كأن النسمة جاءت من مكان تعرفه.
ابتسمت.
وراءها، كانت المقلاة تسخن، وعلى الرخامة اصطفّت أواني صغيرة: دقيق، وحليب، وبيض، وزبدة ذائبة، وعلبة قهوة لم تعد تتذكر لماذا أخرجتها أصلًا. مدت يدها إلى هاتفها ورفعت الصوت. كان كاظم الساهر يغني كما لم يغني من قبل، وكانت الأغنية التي تعرفها عن ظهر قلب تنساب في الشقة بهدوء. تمتمت مع الكلمات الأولى منها «قولي لي كيف سأنقذ نفسي»، ثم التقطت الملعقة الخشبية كما لو أنها أمسكت بيد شريك في رقصة ارستقراطية.
خطت خطوتين إلى اليمين، ومثلها إلى الخلف، واستدارت حول نفسها بخفة. كانت حافية القدمين، ترتدي ثوبًا منزليًا عاجي اللون، وتجمع شعرها في الذهبي الطويل بمشبك لم ينجح يوما في احتوائه كله. انزلقت خصلة بمحاذاة خدها، فحاولت إبعادها بنفخة سريعة دون أن تتوقف عن الرقص.
لم تكن ترقص لأنها تجيد الرقص فقط. كانت تفعل ذلك لأن بعض الفرح يضيق عن الكلمات، فيبحث لنفسه عن مخرج آخر عبر الجسد.هي لا تحتاج إلى جمهور كي يصفق؛ يكفيها أن تشعر أن البيت كله حي معها يراقصها.
استدارت مرة أخرى، ثم رفعت الملعقة كأنها تحيي جمهورًا معجبا.
وفي اللحظة نفسها، تسللت إلى أنفها رائحة خفيفة لم تكن جزءًا من الأغنية.
توقفت.
اتسعت عيناها.
— يا ساتر!
اندفعت نحو الموقد وقلبت قطعة الكريب في اللحظة الأخيرة. التصق طرفها قليلًا بالمقلاة، واكتسى بلونٍ ذهبي داكن، لكنه نجا من الاحتراق الكامل. حملتها بطرف الملعقة، وحدقت فيها بصرامة مصطنعة.
— قلت لكِ لا تحترقي... ليس اليوم الذات.
ثم ضحكت وحدها، ضحكة صافية لا تخجل من فراغ الغرفة.
كانت فاطمة، في السابعة والعشرين، تملك موهبة لا تُدرّس في الثانوية التي تعمل بها وهي: تحويل التفاصيل الصغيرة إلى أسبابٍ كافية للسعادة و الضحك. يمكن لفنجان قهوة مُرّة أن يصنع صباحها، ولزهرة بيضاء أن تُصلح مزاج يومٍ كامل، ولرسالة قصيرة من طارق أن تجعلها تبتسم وهي ملطخة الانامل بحبر القلام وسط زحام التلاميذ وتصحيح الدفاتر.
أما البيت، فكان يشبهها إلى حدٍّ بعيد. ألوان فاتحة، وستائر بيضاء، وشموع بعطر الياسمين، وكتب موزعة حيث لا ينبغي للكتب أن تكون، وأزهار صغيرة على الطاولات، ورائحة قهوة تسكن المكان حتى في الساعات التي لا تكون فيها القهوة حاضرة.
كانت تقول إن الإنسان أول من يستحق أن يرى الجمال؛ لذلك لم تكن تؤجل أناقتها إلى الخارج. تختار أثوابها المنزلية بألوان هادئة وأقمشة ناعمة، وتصر على أغطية السرير المصنوعة من الساتان أو الحرير. كان طارق يسخر منها كلما عادت بغطاء جديد.
— أقسم أنك لو استطعتِ، لفرشتِ أرض البيت كلها حريرًا.
فتجيبه وهي تنفض الغطاء فوق السرير:
— ولمَ لا؟ الحياة متعبة بما يكفي. فلنجعل النوم مريحاً على الأقل.
رفعت شعرها بيد واحدة حتى لا يقترب من النار، وأعادت تثبيته. كان ينسدل إلى ما بعد خصرها، كثيفًا يحتاج إلى صبرٍ طويل كل مساء. أحبّه طارق منذ أول مرة رآه فيها، حتى إنه كان يراقبها وهي تمشطه كما لو أنها تؤدي طقسًا لا يحق لأحد مقاطعته.
لكن الخصلة المتمردة أفلتت من جديد.
نفخت فيها.
ابتعدت عن عينها لحظة، ثم عادت.
حاولت مرة ثانية، فاستقرت فوق خدها في عناد.
هزّت رأسها مستسلمة.
— حسنًا... أنتِ انتصرت هذه المرة سأترككِ
لم تكن فاطمة تعرف السكون. تتحرك في البيت كما تتحرك الموسيقى: تفتح خزانة وتنسى بابها مفتوحًا، تبحث عن السكر فتجد نفسها تحمل علبة الملح، تعد القهوة ثم تنشغل بسقي النباتات حتى يبرد الفنجان دون أن تتذوقه. كان طارق يقول لها دائمًا، وهو يغلق خلفها الأبواب الصغيرة التي تتركها مفتوحة:
— أنتِ لا تصنعين الفوضى أينما تواجدتِ.
— أنتِ تصنعين الحياة.
ورغم أنه كرر الجملة كثيرًا خلال الأشهر السبعة الماضية، كانت تضحك كل مرة كأنها تسمعها للمرة الأولى.
«بعض الليالي تبدأ هادئة، لا لأنها كذلك، بل لأنها تعرف كيف تُخفي العاصفة حتى آخر لحظة.»
◆
كان المطر بالنسبة لها أكثر من طقسٍ عابر. لم تره يومًا مجرد غيمٍ ينثر ما فيه ثم يمضي، ولا ماءً يغسل الأرصفة ويتركها تلمع تحت مصابيح الشوارع. كان نافذةً سرية تفتحها السماء على طفولتها، فتعود إليها رائحة التراب المبلل، وسكينة البيوت حين يلتف أهلها حول المدفأة، وصوت أبيها وهو يطمئنها كلما ارتجفت النوافذ تحت ضربات الريح.
أحبت المطر كما تُحب الأشياء التي لا تطالبنا بشيء. كانت تكتفي بأن تسمعه، فتشعر أن العالم، مهما اشتد صخبه، ما يزال قادرًا على الهمس. وحده الرعد كان يفسد تلك الصداقة القديمة. ما إن يشق السماء حتى تستيقظ داخلها طفلة لا تعرف كيف كبرت وبقي خوفها على حاله؛ طفلة تبحث بعينيها عن يدٍ تمسك بها وتقول لها إن الصوت، مهما بدا قريبًا، لن يدخل البيت.
في تلك الليلة من فبراير، فتحت نافذة المطبخ مقدار شبر. اندفع الهواء البارد إلى الداخل، فحرّك الستارة البيضاء ونثر في المكان رائحة الأرض بعد البلل. أغمضت فاطمة عينيها، ورفعت وجهها قليلًا، كأن النسمة جاءت من مكان تعرفه.
ابتسمت.
وراءها، كانت المقلاة تسخن، وعلى الرخامة اصطفّت أواني صغيرة: دقيق، وحليب، وبيض، وزبدة ذائبة، وعلبة قهوة لم تعد تتذكر لماذا أخرجتها أصلًا. مدت يدها إلى هاتفها ورفعت الصوت. كان كاظم الساهر يغني كما لم يغني من قبل، وكانت الأغنية التي تعرفها عن ظهر قلب تنساب في الشقة بهدوء. تمتمت مع الكلمات الأولى منها «قولي لي كيف سأنقذ نفسي»، ثم التقطت الملعقة الخشبية كما لو أنها أمسكت بيد شريك في رقصة ارستقراطية.
خطت خطوتين إلى اليمين، ومثلها إلى الخلف، واستدارت حول نفسها بخفة. كانت حافية القدمين، ترتدي ثوبًا منزليًا عاجي اللون، وتجمع شعرها في الذهبي الطويل بمشبك لم ينجح يوما في احتوائه كله. انزلقت خصلة بمحاذاة خدها، فحاولت إبعادها بنفخة سريعة دون أن تتوقف عن الرقص.
لم تكن ترقص لأنها تجيد الرقص فقط. كانت تفعل ذلك لأن بعض الفرح يضيق عن الكلمات، فيبحث لنفسه عن مخرج آخر عبر الجسد.هي لا تحتاج إلى جمهور كي يصفق؛ يكفيها أن تشعر أن البيت كله حي معها يراقصها.
استدارت مرة أخرى، ثم رفعت الملعقة كأنها تحيي جمهورًا معجبا.
وفي اللحظة نفسها، تسللت إلى أنفها رائحة خفيفة لم تكن جزءًا من الأغنية.
توقفت.
اتسعت عيناها.
— يا ساتر!
اندفعت نحو الموقد وقلبت قطعة الكريب في اللحظة الأخيرة. التصق طرفها قليلًا بالمقلاة، واكتسى بلونٍ ذهبي داكن، لكنه نجا من الاحتراق الكامل. حملتها بطرف الملعقة، وحدقت فيها بصرامة مصطنعة.
— قلت لكِ لا تحترقي... ليس اليوم الذات.
ثم ضحكت وحدها، ضحكة صافية لا تخجل من فراغ الغرفة.
كانت فاطمة، في السابعة والعشرين، تملك موهبة لا تُدرّس في الثانوية التي تعمل بها وهي: تحويل التفاصيل الصغيرة إلى أسبابٍ كافية للسعادة و الضحك. يمكن لفنجان قهوة مُرّة أن يصنع صباحها، ولزهرة بيضاء أن تُصلح مزاج يومٍ كامل، ولرسالة قصيرة من طارق أن تجعلها تبتسم وهي ملطخة الانامل بحبر القلام وسط زحام التلاميذ وتصحيح الدفاتر.
أما البيت، فكان يشبهها إلى حدٍّ بعيد. ألوان فاتحة، وستائر بيضاء، وشموع بعطر الياسمين، وكتب موزعة حيث لا ينبغي للكتب أن تكون، وأزهار صغيرة على الطاولات، ورائحة قهوة تسكن المكان حتى في الساعات التي لا تكون فيها القهوة حاضرة.
كانت تقول إن الإنسان أول من يستحق أن يرى الجمال؛ لذلك لم تكن تؤجل أناقتها إلى الخارج. تختار أثوابها المنزلية بألوان هادئة وأقمشة ناعمة، وتصر على أغطية السرير المصنوعة من الساتان أو الحرير. كان طارق يسخر منها كلما عادت بغطاء جديد.
— أقسم أنك لو استطعتِ، لفرشتِ أرض البيت كلها حريرًا.
فتجيبه وهي تنفض الغطاء فوق السرير:
— ولمَ لا؟ الحياة متعبة بما يكفي. فلنجعل النوم مريحاً على الأقل.
رفعت شعرها بيد واحدة حتى لا يقترب من النار، وأعادت تثبيته. كان ينسدل إلى ما بعد خصرها، كثيفًا يحتاج إلى صبرٍ طويل كل مساء. أحبّه طارق منذ أول مرة رآه فيها، حتى إنه كان يراقبها وهي تمشطه كما لو أنها تؤدي طقسًا لا يحق لأحد مقاطعته.
لكن الخصلة المتمردة أفلتت من جديد.
نفخت فيها.
ابتعدت عن عينها لحظة، ثم عادت.
حاولت مرة ثانية، فاستقرت فوق خدها في عناد.
هزّت رأسها مستسلمة.
— حسنًا... أنتِ انتصرت هذه المرة سأترككِ
لم تكن فاطمة تعرف السكون. تتحرك في البيت كما تتحرك الموسيقى: تفتح خزانة وتنسى بابها مفتوحًا، تبحث عن السكر فتجد نفسها تحمل علبة الملح، تعد القهوة ثم تنشغل بسقي النباتات حتى يبرد الفنجان دون أن تتذوقه. كان طارق يقول لها دائمًا، وهو يغلق خلفها الأبواب الصغيرة التي تتركها مفتوحة:
— أنتِ لا تصنعين الفوضى أينما تواجدتِ.
— أنتِ تصنعين الحياة.
ورغم أنه كرر الجملة كثيرًا خلال الأشهر السبعة الماضية، كانت تضحك كل مرة كأنها تسمعها للمرة الأولى.