- المشاركات
- 260
- مستوى التفاعل
- 33
- النقاط
- 28
الخطاب الدعوي
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين وأصلي وأسلم على من بعث رحمة للعالمين وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهديه واستن بسنته إلى يوم الدين السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته، أما بعد فإن الله سبحانه وتعالى بنى هذه الحياة الدنيا على سنن ثابتة لا تتغير، وهذه السنن هي من أمر الله سبحانه وتعالى وقدره، ولا يمكن أن تتخلف كما لا يتخلف دوران الفلك وتعاقب الليل والنهار، ومن هذه السنن ارتباط الأسباب بمسبباتها، فالدعوة سبب للهداية، لكنها لا تؤدي إلى هذه النتيجة إلا إذا سارت على وفق سنتها، وعلى وفق ما أراد الله لها، والهداية التي تؤدي إليها الدعوة هي هداية الإرشاد أي إنارة الطريق للناس وأن يعرفوا ما خلقوا من أجله وما أمرهم به ربهم سبحانه وتعالى وما جاءهم به رسول الله r، لا يمكن أن تنير هذه الطريق للناس ما لم تكن هذه الدعوة مضبوطة بالضوابط الشرعية مرتبطة بالمنهج النبوي الذي سلكه رسول الله r وهو المنهج الناجح والمثال لسلوك طريق الحق، وقد بين ذلك رسول الله r حين قال: «تركتكم على المحجة البيضاء، أو على مثل البيضاء، ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك» فما تركنا عليه رسول الله r هو الذي ارتضاه الله للثقلين الإنس والجن، وهو منهج الله المستقيم، وهو صراطه المؤدي إلى جنته، وهو حبله المتين من تمسك به عصم، وهذا الحبل المتين الذي تركنا عليه رسول الله r هو مثل المحجة البيضاء ليلها كنهارها، وهذا مقتض لبيان كل ما يقع فيه من اللبس والخطإ وضمان لمعرفة الخطإ من الصواب إذا التبس فإن الأمر لو وكل إلى اجتهادات الرجال لتغير وتبدل كحال الديانات السابقة التي عهد بحفظها إلى أصحابها فترون ما حصل فيها من التحريف والتبديل، أما هذا الدين المنزل على محمد r، فإنه معصوم من التغيير والتبديل، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد، وقد تعهد الله بحفظه وتولى ذلك بنفسه، لم يكله إلى ملك مقرب ولا إلى نبي مرسل، فهو محفوظ بحفظ الله سبحانه وتعالى الحي القيوم الذي لا تأخذه سنة ولا نوم، لا ينام ولا ينبغي له أن ينام، يرفع إليه أمر الليل قبل النهار وأمر النهار قبل الليل، فلذلك لا يمكن أن يقع فيه اختلال و لا اختلاف إلا اتضح للناس خطأه، وبان لهم زيفه، وذلك من عصمة الله سبحانه وتعالى لصراطه المستقيم، ومن حكم ذلك أن النبي r لن يأتي بعده رسول إلى البشرية، لا يمكن أن يأتي بعده نبي فهو خاتم النبيين، فإذا كان الأمر موكولا إلى اجتهادات الرجال أبدا وإلى تقويمهم، فإن ذلك مقتض لزواله وحاجة الناس إلى من يجدده، لكن الله سبحانه وتعالى تعهد بحفظه وقد علم أنه لن يرسل رسولا بعد محمد r، فلذلك لا بد لمن يسلك طريق محمد r أن يسلكها على بصيرة بها، وأن يتعرف على ضوابط سيره ومنعرجات طريقه وما يعرض له كذلك من المشكلات في هذا الطريق، لذلك كان لزاما علينا في الخطاب الدعوي المقدم للناس الذي ينوب فيه صاحبه عن رسول الله r ويؤدي فيه أمانة الله التي عرضها على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان والذي عهد إلينا رسول الله r بتبليغه للناس في آخر موقف شهده مع الناس، فقال: «ألا فليبلغ الشاهد منكم الغائب فرب مبلغ أوعى من سامع» وعهد إلينا بحفظه كذلك وذكر الفضل العظيم لمن حفظه، فقال فيما أخرج عنه أصحاب السنن من حديث ابن مسعود رضي الله عنه: «نضر الله امرأ سمع مقالتي فوعاها فأدَّاها كما سمعها، فرب حامل فقه ليس بفقيه، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه» وبين كذلك وظيفة الذين يحمونه ويبينونه للناس، فيما أخرجه أبو عمر بن عبد البر في مقدمة التمهيد، والخطيب البغدادي في شرف أصحاب الحديث من حديث ابن مسعود رضي الله أن النبي r قال: «يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله، ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين» فهذه البصيرة بالأمر الذي يدعو الإنسان إليه ضابط من أهم ضوابط الخطاب الدعوي، فالذي يريد أن يدعو على غير علم، ولا يريد أن يتصل بسنة رسول الله r ولا منهجه، ولا يريد أن يسلك طريق الذين سبقوه ولا أن يستفيد مما كانوا عليه ومما أخذوا به، لا بد أن يتردى في الوحل، فلا بد إذن من هذه البصيرة المقتضية لأن يعرف الإنسان برهانه في كل ما يأخذ به، وأن تكون له حجة من الله سبحانه وتعالى في كل ما يعمل، ومن كان على ذلك فهو على نور من ربه إذا وقف فعن علم يقف، وإذا تقدم فعن علم يتقدم، ومن كان هكذا لم يشك في أمر من الأمور ولم يلتبس عليه شيء من المشتبهات، ثم بعد هذا كذالك لا بد من ضابط آخر آكد من سابقه، ألا وهو الإخلاص لله سبحانه وتعالى وقصد وجهه الكريم بالأمر كله، فكل خطاب يقدم الإنسان على طريق الدعوة لا بد أن يكون مخلصا فيه لله تعالى، وإلا كان ضره أكثر من نفعه، لا بد أن يكون الإنسان مخلصا في كل كلمة تصدر منه وكل تصرف يصدر منه، وإلا فإن عدم الإخلاص مضر ضررا بالغا بمقدم الخطاب وبسامعه، لذلك لا بد من مراجعة الإخلاص في كل قول يقوله الإنسان وأن يعلم أن الكلمة التي يقولها أمانة عنده، وأنها ستعرض عليه بين يدي الله في طائره يحمله في عنقه، وستشهد عليه جوارحه بما قال ويشهد عليه الملائكة الكرام المزكَّون عند الله تعالى بما لفظ، ثم بعد هذا لا بد من ضابط آخر وهو ضابط التوسط والاعتدال في الأمر، فإن النبي r حذر من الشطط وحذر كذلك من الإفراط ومن التفريط، فلا بد أن يكون هذا الخطاب وسطا بين الإفراط والتفريط، فالإفراط مقتض من الإنسان أن يبالغ في الأمر مبالغة تخرج به عن نطاق الشرع، وحينئذ لا بد أن يدخله الهوى، والهوى ضد الشرع، والمتمسك به عابد لشريك لله هو الهوى، فالهوى شريك من الشركاء التي تعبد من دون الله عز وجل والذي يتشبث بهواه ويقدمه على خطاب الله مذموم في القرآن بغاية الذم فإنه قد اتخذ إلهه هواه، وتعرفون أن ذلك مبين في سورة النازعات أنه سبب لدخول النار، وأن مخالفة الهوى ونهي النفس عن الهوى سبب لدخول الجنة، ثم بعد هذا لا بد أن يدرك الإنسان معنى هذا التوسط، وأن الإفراط المنهي عنه ليس التجاوز لما كان عليه الناس وليس التجاوز للطور الذي كان فيه الإنسان نفسه بل المقصود بالنهي عن الإفراط تجاوز المنهج النبوي، فإذا كنا نحن في طور من أطوار ضعفنا أو في طور الطلب والازدياد من العلم أو في طور الاستضعاف في الوسائل فأخذنا بما لدينا وبما نستطيع ثم تجددت نعمة من عند الله سبحانه وتعالى اقتضت زيادة في الأداء والعطاء فليس إعمال تلك النعمة بإفراط ولا غلو ولا مجاوزة، ومثل ذلك في المقابل نهى عن التفريط الذي هو تقصير وهو ركون إلى الراحة وإخلاد إلى الأرض، وهذا التفريط مقتض من الإنسان لترك بعض ما جاء به رسول الله r ورده على الله سبحانه وتعالى، فيكون متخيرا، فما وافق هواه ووافق وقته أخذ به، وما خالفه تركه، وأنتم تعرفون أن فاعل ذلك غير مخلص لله سبحانه وتعالى، بل يأخذ ما يريد ويرد ما يريد، وقد بين الله أن هذا من شأن المنافقين، ﴿وإذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم إذا فريق منهم معرضون، وإن يكن لهم الحق يأتوا إليه مذعنين، أفي قلوبهم مرض أم ارتابوا أم يخافون أن يحيف الله عليهم ورسوله، بل أولئك هم الظالمون﴾ فلا بد من الاستسلام لأمر الله كله، وإلا فما الفرق بين المسلمين واليهود، إذا كان المسلم يأخذ ما يوافقه ويترك ما يخالفه، أليس اليهود يقولون ذلك؟ يقولون نؤمن ببعض الكتاب ونكفر ببعض، أليسوا يقولون للنبي r وللمؤمنين معه نطيعكم وجه النهار ونخالفكم بقيته، فإذن لا بد أن يستسلم المسلم لأمر الله كله، وأن يأخذ بالمنهج كله، وقد شرط الله ذلك في الإيمان إذ قال: فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم، ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما، كذلك فإن هذا المنهج الوسطي مفيد في هذا الخطاب الدعوي في أمور أخرى، منها توصيله لما لا يستطيع الإنسان الوصول إليه بذاته وطاقاته ووسائله المحدودة، فالإنسان إذا أخذ بهذا المنهج المعتدل الوسطي الذي لا إفراط فيه ولا تفريط فإن الحوادث لا تستفزه، فإذا جاء الترغيب والترهيب لم يكن لهما أي تأثير عليه، وإذا جاءت السراء والنعمة لم تطغه، وإذا جاءت الضراء والمحنة كذلك لم تذله، ولم ترده عما أخذ به، ثم بعد هذا لا بد من الأخذ بهذا الضابط فيما يتعلق بالتعامل مع الناس، فالناس قلما تجتمع قلوبهم على الأمر وقد قال فيهم رسول الله r «الناس كإبل مائة لا تكاد تجد فيها راحلة» فلو أن الإنسان مال مع بعضهم على حساب بعض فإن ذلك سيؤدي من الآخرين إلى النفرة، وقد صح في الصحيح أن النبي r مر على قوم من الأنصار يترامون أي يرمون غرضا نصبوه، فقال: «ارموا وأنا مع بني فلان، فأمسك الآخرون، فقال: ما بالكم؟ قالوا: كيف نراميهم وأنت معهم، فقال: ارموا وأنا معكم كلكم» فلذلك لا بد من هذا التوازن وهو مقتض لجمع القلوب، ثم إن مقابله أيضا مقتض للفرقة والخلاف والنزاع فالإنسان إذا عدل عن هذه الوسطية ومال إلى جانب الإفراط والمبالغة فكثيرا ما يكون خطابه الدعوي تحميسا يصل إلى حد الانفجار دون أن يستغل ذلك في مداره الصحيح وفي وجهه المستقيم، وأيضا إذا جاء بالبرودة والتماوت ولم يؤد الغرض المقصود من هذا الخطاب كان ذلك سببا أيضا لتفلت الناس من حوله وعدم أخذهم بقوله، ثم بعد هذا كثيرا ما يؤدي ذلك أيضا إلى ردات أفعال غير محمودة، مثل ما يحصل في كثير من الأحيان من تكفير بعض الناس لبعض على غير أساس شرعي، فليس التكفير مطلقا مذموما شرعا، بل التكفير المذموم شرعا هو تكفير المسلمين، تكفير من كان آخذا بالإسلام محقا فيه فهذا المذموم شرعا، أما تكفير الكافرين فهو غير مذموم شرعا، ولا يمكن أن يذمه عاقل، ثم بعد هذا من نتائج هذه الوسطية أيضا أنها مقتضية لإمكان الرجعة وللأخذ بالخط الأعدل، فإذا تبين للإنسان الخطأ في بعض تلك الجزئيات والخطوات استطاع الرجوع عن كثب ولم يكن حينئذ حيث لا يمكنه الرجوع، فأنتم تعرفون أن الطرق السريعة إذا أخذ الإنسان بآخر خط منها، لا يمكنه أن يرجع إذا أراد ذلك ولا أن يتوقف أصلا، لأنه قد وصل إلى النهاية في الخط، فإذا أراد الإنسان التوقف أو الرجوع فليأخذ بالوسط أو بالخط الذي يمكنه من الرجعة، كذلك من ضوابط هذا الخطاب أن يكون مع الناس، فالخطاب الدعوي إذا كان يشغل الناس بما لا يعيشونه في حياتهم اليومية ولا يجدونه في واقعهم، أو يتشاغل عما يهتمون به وينفقون فيه ساعات دوامهم فهو خطاب فاشل لأنه في واد والناس في واد آخر، فلذلك لابد أن يكون مهتما باهتمامات الناس ولا بد أن يكون مصاحبا للناس، في تطوراتهم وأحوالهم، ومن هنا فإن الخطاب الدعوي مرتبط بزمانه ومكانه، فتحدثنا مثلا الآن عما كان الناس يتحدثون عنه في بداية انتشار هذه الصحوة من صلاحية الإسلام للتطبيق أو نحو ذلك من الطرح الذي تجدونه في الكتب القديمة المؤلفة في بداية الصحوة هو أخذ بما لم يعد محلا للنقاش، ورجوع في الوسط وفي أثناء الطريق، فلذلك لا يمكن أن يؤخذ به، وإنما مثاله مثال من وصل في سرعة السير إلى السرعة الخامسة ثم أراد أن يتراجع منها مباشرة إلى السرعة الثانية مثلا أو الثالثة دون أن يمر بالرابعة فهذا مضر بسيارته ولا يمكنه من الوصول إلى هدفه، والذي يعيشه الناس ويهتمون به مراعى في الشرع، وقد كان رسول الله r في خطبه وفي توجيهه للناس يتحدث في الوقائع التي يشهدها الناس، ويتكلم فيما يتعلق بحياتهم اليومية، وتعرفون خطابه للمؤمنين في غزوة المريسيع لما حصلت الشحناء والبغضاء بين واردة المهاجرين وواردة الأنصار فقال هذا: يا للمهاجرين وقال الآخر يا للأنصار فقال:«أدعوى الجاهلية وأنا بين ظهرانيكم دعوها فإنها منتنة»
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين وأصلي وأسلم على من بعث رحمة للعالمين وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهديه واستن بسنته إلى يوم الدين السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته، أما بعد فإن الله سبحانه وتعالى بنى هذه الحياة الدنيا على سنن ثابتة لا تتغير، وهذه السنن هي من أمر الله سبحانه وتعالى وقدره، ولا يمكن أن تتخلف كما لا يتخلف دوران الفلك وتعاقب الليل والنهار، ومن هذه السنن ارتباط الأسباب بمسبباتها، فالدعوة سبب للهداية، لكنها لا تؤدي إلى هذه النتيجة إلا إذا سارت على وفق سنتها، وعلى وفق ما أراد الله لها، والهداية التي تؤدي إليها الدعوة هي هداية الإرشاد أي إنارة الطريق للناس وأن يعرفوا ما خلقوا من أجله وما أمرهم به ربهم سبحانه وتعالى وما جاءهم به رسول الله r، لا يمكن أن تنير هذه الطريق للناس ما لم تكن هذه الدعوة مضبوطة بالضوابط الشرعية مرتبطة بالمنهج النبوي الذي سلكه رسول الله r وهو المنهج الناجح والمثال لسلوك طريق الحق، وقد بين ذلك رسول الله r حين قال: «تركتكم على المحجة البيضاء، أو على مثل البيضاء، ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك» فما تركنا عليه رسول الله r هو الذي ارتضاه الله للثقلين الإنس والجن، وهو منهج الله المستقيم، وهو صراطه المؤدي إلى جنته، وهو حبله المتين من تمسك به عصم، وهذا الحبل المتين الذي تركنا عليه رسول الله r هو مثل المحجة البيضاء ليلها كنهارها، وهذا مقتض لبيان كل ما يقع فيه من اللبس والخطإ وضمان لمعرفة الخطإ من الصواب إذا التبس فإن الأمر لو وكل إلى اجتهادات الرجال لتغير وتبدل كحال الديانات السابقة التي عهد بحفظها إلى أصحابها فترون ما حصل فيها من التحريف والتبديل، أما هذا الدين المنزل على محمد r، فإنه معصوم من التغيير والتبديل، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد، وقد تعهد الله بحفظه وتولى ذلك بنفسه، لم يكله إلى ملك مقرب ولا إلى نبي مرسل، فهو محفوظ بحفظ الله سبحانه وتعالى الحي القيوم الذي لا تأخذه سنة ولا نوم، لا ينام ولا ينبغي له أن ينام، يرفع إليه أمر الليل قبل النهار وأمر النهار قبل الليل، فلذلك لا يمكن أن يقع فيه اختلال و لا اختلاف إلا اتضح للناس خطأه، وبان لهم زيفه، وذلك من عصمة الله سبحانه وتعالى لصراطه المستقيم، ومن حكم ذلك أن النبي r لن يأتي بعده رسول إلى البشرية، لا يمكن أن يأتي بعده نبي فهو خاتم النبيين، فإذا كان الأمر موكولا إلى اجتهادات الرجال أبدا وإلى تقويمهم، فإن ذلك مقتض لزواله وحاجة الناس إلى من يجدده، لكن الله سبحانه وتعالى تعهد بحفظه وقد علم أنه لن يرسل رسولا بعد محمد r، فلذلك لا بد لمن يسلك طريق محمد r أن يسلكها على بصيرة بها، وأن يتعرف على ضوابط سيره ومنعرجات طريقه وما يعرض له كذلك من المشكلات في هذا الطريق، لذلك كان لزاما علينا في الخطاب الدعوي المقدم للناس الذي ينوب فيه صاحبه عن رسول الله r ويؤدي فيه أمانة الله التي عرضها على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان والذي عهد إلينا رسول الله r بتبليغه للناس في آخر موقف شهده مع الناس، فقال: «ألا فليبلغ الشاهد منكم الغائب فرب مبلغ أوعى من سامع» وعهد إلينا بحفظه كذلك وذكر الفضل العظيم لمن حفظه، فقال فيما أخرج عنه أصحاب السنن من حديث ابن مسعود رضي الله عنه: «نضر الله امرأ سمع مقالتي فوعاها فأدَّاها كما سمعها، فرب حامل فقه ليس بفقيه، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه» وبين كذلك وظيفة الذين يحمونه ويبينونه للناس، فيما أخرجه أبو عمر بن عبد البر في مقدمة التمهيد، والخطيب البغدادي في شرف أصحاب الحديث من حديث ابن مسعود رضي الله أن النبي r قال: «يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله، ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين» فهذه البصيرة بالأمر الذي يدعو الإنسان إليه ضابط من أهم ضوابط الخطاب الدعوي، فالذي يريد أن يدعو على غير علم، ولا يريد أن يتصل بسنة رسول الله r ولا منهجه، ولا يريد أن يسلك طريق الذين سبقوه ولا أن يستفيد مما كانوا عليه ومما أخذوا به، لا بد أن يتردى في الوحل، فلا بد إذن من هذه البصيرة المقتضية لأن يعرف الإنسان برهانه في كل ما يأخذ به، وأن تكون له حجة من الله سبحانه وتعالى في كل ما يعمل، ومن كان على ذلك فهو على نور من ربه إذا وقف فعن علم يقف، وإذا تقدم فعن علم يتقدم، ومن كان هكذا لم يشك في أمر من الأمور ولم يلتبس عليه شيء من المشتبهات، ثم بعد هذا كذالك لا بد من ضابط آخر آكد من سابقه، ألا وهو الإخلاص لله سبحانه وتعالى وقصد وجهه الكريم بالأمر كله، فكل خطاب يقدم الإنسان على طريق الدعوة لا بد أن يكون مخلصا فيه لله تعالى، وإلا كان ضره أكثر من نفعه، لا بد أن يكون الإنسان مخلصا في كل كلمة تصدر منه وكل تصرف يصدر منه، وإلا فإن عدم الإخلاص مضر ضررا بالغا بمقدم الخطاب وبسامعه، لذلك لا بد من مراجعة الإخلاص في كل قول يقوله الإنسان وأن يعلم أن الكلمة التي يقولها أمانة عنده، وأنها ستعرض عليه بين يدي الله في طائره يحمله في عنقه، وستشهد عليه جوارحه بما قال ويشهد عليه الملائكة الكرام المزكَّون عند الله تعالى بما لفظ، ثم بعد هذا لا بد من ضابط آخر وهو ضابط التوسط والاعتدال في الأمر، فإن النبي r حذر من الشطط وحذر كذلك من الإفراط ومن التفريط، فلا بد أن يكون هذا الخطاب وسطا بين الإفراط والتفريط، فالإفراط مقتض من الإنسان أن يبالغ في الأمر مبالغة تخرج به عن نطاق الشرع، وحينئذ لا بد أن يدخله الهوى، والهوى ضد الشرع، والمتمسك به عابد لشريك لله هو الهوى، فالهوى شريك من الشركاء التي تعبد من دون الله عز وجل والذي يتشبث بهواه ويقدمه على خطاب الله مذموم في القرآن بغاية الذم فإنه قد اتخذ إلهه هواه، وتعرفون أن ذلك مبين في سورة النازعات أنه سبب لدخول النار، وأن مخالفة الهوى ونهي النفس عن الهوى سبب لدخول الجنة، ثم بعد هذا لا بد أن يدرك الإنسان معنى هذا التوسط، وأن الإفراط المنهي عنه ليس التجاوز لما كان عليه الناس وليس التجاوز للطور الذي كان فيه الإنسان نفسه بل المقصود بالنهي عن الإفراط تجاوز المنهج النبوي، فإذا كنا نحن في طور من أطوار ضعفنا أو في طور الطلب والازدياد من العلم أو في طور الاستضعاف في الوسائل فأخذنا بما لدينا وبما نستطيع ثم تجددت نعمة من عند الله سبحانه وتعالى اقتضت زيادة في الأداء والعطاء فليس إعمال تلك النعمة بإفراط ولا غلو ولا مجاوزة، ومثل ذلك في المقابل نهى عن التفريط الذي هو تقصير وهو ركون إلى الراحة وإخلاد إلى الأرض، وهذا التفريط مقتض من الإنسان لترك بعض ما جاء به رسول الله r ورده على الله سبحانه وتعالى، فيكون متخيرا، فما وافق هواه ووافق وقته أخذ به، وما خالفه تركه، وأنتم تعرفون أن فاعل ذلك غير مخلص لله سبحانه وتعالى، بل يأخذ ما يريد ويرد ما يريد، وقد بين الله أن هذا من شأن المنافقين، ﴿وإذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم إذا فريق منهم معرضون، وإن يكن لهم الحق يأتوا إليه مذعنين، أفي قلوبهم مرض أم ارتابوا أم يخافون أن يحيف الله عليهم ورسوله، بل أولئك هم الظالمون﴾ فلا بد من الاستسلام لأمر الله كله، وإلا فما الفرق بين المسلمين واليهود، إذا كان المسلم يأخذ ما يوافقه ويترك ما يخالفه، أليس اليهود يقولون ذلك؟ يقولون نؤمن ببعض الكتاب ونكفر ببعض، أليسوا يقولون للنبي r وللمؤمنين معه نطيعكم وجه النهار ونخالفكم بقيته، فإذن لا بد أن يستسلم المسلم لأمر الله كله، وأن يأخذ بالمنهج كله، وقد شرط الله ذلك في الإيمان إذ قال: فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم، ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما، كذلك فإن هذا المنهج الوسطي مفيد في هذا الخطاب الدعوي في أمور أخرى، منها توصيله لما لا يستطيع الإنسان الوصول إليه بذاته وطاقاته ووسائله المحدودة، فالإنسان إذا أخذ بهذا المنهج المعتدل الوسطي الذي لا إفراط فيه ولا تفريط فإن الحوادث لا تستفزه، فإذا جاء الترغيب والترهيب لم يكن لهما أي تأثير عليه، وإذا جاءت السراء والنعمة لم تطغه، وإذا جاءت الضراء والمحنة كذلك لم تذله، ولم ترده عما أخذ به، ثم بعد هذا لا بد من الأخذ بهذا الضابط فيما يتعلق بالتعامل مع الناس، فالناس قلما تجتمع قلوبهم على الأمر وقد قال فيهم رسول الله r «الناس كإبل مائة لا تكاد تجد فيها راحلة» فلو أن الإنسان مال مع بعضهم على حساب بعض فإن ذلك سيؤدي من الآخرين إلى النفرة، وقد صح في الصحيح أن النبي r مر على قوم من الأنصار يترامون أي يرمون غرضا نصبوه، فقال: «ارموا وأنا مع بني فلان، فأمسك الآخرون، فقال: ما بالكم؟ قالوا: كيف نراميهم وأنت معهم، فقال: ارموا وأنا معكم كلكم» فلذلك لا بد من هذا التوازن وهو مقتض لجمع القلوب، ثم إن مقابله أيضا مقتض للفرقة والخلاف والنزاع فالإنسان إذا عدل عن هذه الوسطية ومال إلى جانب الإفراط والمبالغة فكثيرا ما يكون خطابه الدعوي تحميسا يصل إلى حد الانفجار دون أن يستغل ذلك في مداره الصحيح وفي وجهه المستقيم، وأيضا إذا جاء بالبرودة والتماوت ولم يؤد الغرض المقصود من هذا الخطاب كان ذلك سببا أيضا لتفلت الناس من حوله وعدم أخذهم بقوله، ثم بعد هذا كثيرا ما يؤدي ذلك أيضا إلى ردات أفعال غير محمودة، مثل ما يحصل في كثير من الأحيان من تكفير بعض الناس لبعض على غير أساس شرعي، فليس التكفير مطلقا مذموما شرعا، بل التكفير المذموم شرعا هو تكفير المسلمين، تكفير من كان آخذا بالإسلام محقا فيه فهذا المذموم شرعا، أما تكفير الكافرين فهو غير مذموم شرعا، ولا يمكن أن يذمه عاقل، ثم بعد هذا من نتائج هذه الوسطية أيضا أنها مقتضية لإمكان الرجعة وللأخذ بالخط الأعدل، فإذا تبين للإنسان الخطأ في بعض تلك الجزئيات والخطوات استطاع الرجوع عن كثب ولم يكن حينئذ حيث لا يمكنه الرجوع، فأنتم تعرفون أن الطرق السريعة إذا أخذ الإنسان بآخر خط منها، لا يمكنه أن يرجع إذا أراد ذلك ولا أن يتوقف أصلا، لأنه قد وصل إلى النهاية في الخط، فإذا أراد الإنسان التوقف أو الرجوع فليأخذ بالوسط أو بالخط الذي يمكنه من الرجعة، كذلك من ضوابط هذا الخطاب أن يكون مع الناس، فالخطاب الدعوي إذا كان يشغل الناس بما لا يعيشونه في حياتهم اليومية ولا يجدونه في واقعهم، أو يتشاغل عما يهتمون به وينفقون فيه ساعات دوامهم فهو خطاب فاشل لأنه في واد والناس في واد آخر، فلذلك لابد أن يكون مهتما باهتمامات الناس ولا بد أن يكون مصاحبا للناس، في تطوراتهم وأحوالهم، ومن هنا فإن الخطاب الدعوي مرتبط بزمانه ومكانه، فتحدثنا مثلا الآن عما كان الناس يتحدثون عنه في بداية انتشار هذه الصحوة من صلاحية الإسلام للتطبيق أو نحو ذلك من الطرح الذي تجدونه في الكتب القديمة المؤلفة في بداية الصحوة هو أخذ بما لم يعد محلا للنقاش، ورجوع في الوسط وفي أثناء الطريق، فلذلك لا يمكن أن يؤخذ به، وإنما مثاله مثال من وصل في سرعة السير إلى السرعة الخامسة ثم أراد أن يتراجع منها مباشرة إلى السرعة الثانية مثلا أو الثالثة دون أن يمر بالرابعة فهذا مضر بسيارته ولا يمكنه من الوصول إلى هدفه، والذي يعيشه الناس ويهتمون به مراعى في الشرع، وقد كان رسول الله r في خطبه وفي توجيهه للناس يتحدث في الوقائع التي يشهدها الناس، ويتكلم فيما يتعلق بحياتهم اليومية، وتعرفون خطابه للمؤمنين في غزوة المريسيع لما حصلت الشحناء والبغضاء بين واردة المهاجرين وواردة الأنصار فقال هذا: يا للمهاجرين وقال الآخر يا للأنصار فقال:«أدعوى الجاهلية وأنا بين ظهرانيكم دعوها فإنها منتنة»