- المشاركات
- 720
- مستوى التفاعل
- 53
- النقاط
- 28
مكانة الإنسان شرعا
للشيخ الحسن ولد الددو
للشيخ الحسن ولد الددو
الخطبة الاولى
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليما كثيرا (يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا) (يا أيها الذين اتقوا الله وقولوا قولا سديدا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما)
أما بعد، فإن خير الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة ، عباد الله إن الله عز وجل شرف هذا الجنس البشري بأنواع التشريف ، فخلق آدم بيمينه ونفخ فيه من روحه وأسجد له ملائكته وجعله خليفته في الأرض ، وقال بعد ذلك (ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا) وقد جعل الله ابن آدم نكتة العالم خلق له ما في الأرض جميعا ، إما انتفاعا وإما اعتبارا وإما اختبارا ، فقال تعالى: (خلق لكم ما في الأرض جميعا) إن هذا الجنس البشري شريف على الله عز وجل مكرم بأنواع التكريم من أجله خلقت الجنة والنار ومن أجله جعل ما في هذه الأرض من الخيرات والبركات ومن أجله أرسلت الرسل لإقامة الحجة على الناس ومن أجله شرعت الشرائع لتضمن حقوق هذا الجنس البشري تنظم علاقاته مع ربه وعلاقاته فيما بينه وعلاقاته مع ما في هذه الأرض
و قد راعى الله سبحانه و تعالى في التشريع مصالح البشر لأنه سبحانه و تعالى غني عن كل تشريع غني عن العباد جميعا فإذا شرع شيئا أمر أو نهيا فإنما يشرع ذالك يشرع ذالك لمصالح الناس و لذالك فإن حقوق الإنسان هي ما بينه الله في كتابه و شرعه و قد شرف الله هذا الإنسان و كرمه و شرع له كل ما يحتاج إليه و من ذالك ما شرع له من أنواع الحريات فقد خلق الله هذا الجنس البشري معتوقا من العبودية لغير الله و حرره من ضغوط الأغيار و أولاه بكل الحريات التي يحتاج إليها فقد أتاه الله عز و جل حرية التعبير فقال تعالى: ﴿فبشر عبادي الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولائك الذي هداهم الله و أولائك هم أولوا الألباب﴾
و أعطاه حرية التفكير، فقال تعالى: ﴿لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي فمن يكفر الطاغوت و يؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها و الله سميع عليم﴾ و أعطاه حرية التنقل في الأرض، قال تعالى: ﴿فامشوا في مناكبها و كلوا من رزقه و إليه النشور﴾ و لم يرد الله سبحانه و تعالى لهذا الجنس أن يكون كالحيوانات المدللة بل أخبر أنه ذلل له الحيوانات فقال تعالى: ﴿و ذللناها لهم فمنها ركوبهم و منها يأكلون﴾
و لذالك فإن العالم المتحضر اليوم قد اقتنع بهذه القناعة الشرعية التي جاءت بها الشرائع من قبل الإسلام و أكدها الإسلام و بينها النبي صلى الله عليه وسلم في ما أمر ببيانه من كتاب الله، فكل العالم المتحضر اليوم، يسعى لتحقيق الكرامة لهذا الجنس البشري و لم يعد اليوم في العالم مجال لاستعباد الناس و لا إذلالهم و لا إهانتهم كما تخيس البهائم بل إن الإسلام أيضا جاء، بعدم إذلال البهائم و إهانتها و لذالك فإن النبي صلى الله عليه وسلم: حرم أن يفرق بين كبيره و صغيره ما لم يثغر (أي ينفصل عنه) حرم ذالك في البيع و الشراء و حرمه في قسمة الغنائم و حرمه في غير ذالك، و أنه صلى الله عليه وسلم حرم الإحراق بالنار حتى للنمل و ذكر أن نبيا من الأنبياء لسعته نملة فأمر بإحراق النمل فقيل له أمن أجل نملة واحدة تقتل أمة من الأمم و كذالك فإنه صلى الله عليه و سلم عندما رأى أبا مسعود البدري رضي الله عنه يضرب غلاما له في الطريق قال : أبو مسعود سمعت صوتا ينادي سمعت صوتا ينادي من واءي اعلم أبا مسعود فنظرت فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم ييقول: «اعلم أبا مسعود أن الله أقدر عليك منك على هذا الغلام ـ قلت: يا رسول الله هو حر في سبيل الله ـ قال: أما إنك لو لم تفعل للفحتك النار»
و قال صلى الله عليه وسلم: «لا يعذب بالنار إلا رب النار» وعندما قتل بعض أسرى قريش صبرا يوم بدر ندم على ذلك عندما جاءته أبيات قتيبة أو قتيلة بنت الحارث التي تقول فيها:
يا راكبا إن الأثيل مظنةمن
أبلغ به ميتا بأن تحية
مني إليك و عبرة مسفوحة
هل يسمعن النضر إن ناديته
ظلت سيوف بني أبيه تنوشه
صبرا يقاد إلى المنية متعب
أمحمد يا خير ضيئ كريمة في قومها
ما كان ضرك لو مننت فربما
أو كنت قابل فدية فلناتين
فالنضر أقرب من أسرت قرابة
صبح خامسة و أنت موفق
ما إن تزال بها النجائب تخفق
جادت بواكفها و أخرى تخلق
أم كيف يسمع ميت لا ينطق
لله أرحام هناك تشقق
رسف المقيد و هو عال موثق
و الفحل فحل معرق
من الفتى و هو المغيظ المحلق
بأعز ما يغلوا لديك و ينفق
و أحقهم إن كان عتق يعتق
فدمعت لها عينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بأبي هو وأمي وقال: \"لا يقتل قرشي بعد اليوم صبرا\" وكذلك فإنه صلى الله عليه وسلم كان رحيما بالملابس والفراش فقال لقد اسود هذا الحصير من طول ما لبس ، رحمة حتى بالجمادات وعندما حن الجذع عندما كان النبي صلى الله عليه وسلم يخطب فيستند إليه فلما وضع المنبر مكانه خطب عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فحن الجذع لذلك حنينا قام إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم واحتضنه وضمه فسمع له صوت كصوت الصبي عندما يمسك الثدي بعد البكاء ، والناس يسمعون ، رحمة بذلك الجذع الذي هو جماد ، إن هذا الدين دين رحمة وقد كتب ربكم على نفسه الرحمة كما قال سبحانه وتعالى: (كتب ربكم على نفسه الرحمة) والله عز وجل هو الرحمن الرحيم ، وقد وصف محمدا صلى الله عليه وسلم بالرحمة فقال: (لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم) وقال تعالى: (فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله) إنه من الغريب أن يكون العالم المتحضر من البلدان الكافرة يراعي حقوق الإنسان ولا يوجد فيه سجناء للرأي ولا توجد فيه إهانات الأحرار ولا تعذيبهم ولا أذاهم ويوجد ذلك في بلاد المسلمين..! التي يحكمها مسلمون آمنوا بالله وصدقوا بمحمد صلى الله عليه وسلم وبما جاء به وهم يقرؤون القرآن والسنة ويعلمون هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك ، إن هذا النوع مما لا يصدق ولا يمكن أن يقبله عقل ولا شرع وإنه من الغرائب التي لا ينفك الإنسان يسمعها ففي الوقت الذي تراجعت فيه الأمم المشهورة بعدوانها وعدوانيتها عن هذا النوع من التصرفات حتى أصبح أشد الناس عداوة للذين آمنوا وهم اليهود عليهم لعائن الله يتذممون من حقوق الإنسان فإذا كان في السجن مريض راعوا حقه فنقلوه إلى المستشفيات وإذا كان فيه امرأة حامل راعوا حقها في ذلك في هذا الوقت لا نزال نشهد في بعض بلاد الإسلام ما يخالف هذا التصرف الذي هو حضاري وراق ومأمور به شرعا وبه جاءت الشرائع كلها وبه جاء هذا الدين الحنيف وأخذ به المسلمون وبه ملكوا أزمة العالم إنهم ما داموا يتصرفون هذا التصرف لم يكن يقف في وجههم طاغ في العالم كله ، ولذلك وصلت حدودهم إلى مشارق الأرض ومغاربها لم ترد لهم راية ولم يهزم لهم جيش ، إن هذه الكرامة في الجنس البشري من خانها أو ضيعها فإنما يضيع حرمة نفسه ولذلك فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال كما في الصحيحين: \"إذا قاتل أحدكم أخاه فليتق الوجه فإن الله خلق آدم على صورته\" إن هذا الإنسان كريم على الله سبحانه وتعالى ولذلك أمرنا باتقاء الوجه عند قتال الكفار فضلا عن من سواهم وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: \"إن الله كتب الإحسان على كل شيء فإذا قتلتم فأحسن القتلة وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة وليحد أحدكم شفرته وليرح ذبيحته\" ، هذا في الذبيحة البهيمية فما ظنكم بهذا الجنس البشري الشريف الكريم على الله سبحانه وتعالى ، إن مراعاة حقوق الإنسان إنما هي مراعاة لحقوق الفاعل في ذاته فمن ينتهكها فإنما ينتهك حق نفسه وتهون عليه كرامته لأن الذي يمارس هذا التصرف اللاإنساني المخالف للشرع إنما يرضى بأن يكون نعالا يحتذيها من يركبه من الطواغيت فيستغله وتنكسر فيه الأشواك عنه ويتولى عنه القاذورات و الأخطاء كلها فإذا خلعه لبسه غيره ، وبقي على ذلك الوجه طيلة حياته ، ذميما كالنعال التي يحتذيها كل إنسان ، ولا يرضى إنسان شريف كريم بهذا النوع من المذلة بوجه من الوجوه
ولا يقيم على ضيم يراد به إلا الأذلان عيل الحي والوتد
هذا على الخسف مربوط برمته وذا يشج ولا يرثي له أحد
إن الإنسان الذي يقبل أن يكون أداة للتعذيب ووسيلة للإهانات قد محا نفسه من اسم الإنسانية و أنزل نفسه إلى مستوى الأحذية ورضي بأن يكون آلة ووسيلة لأقبح الأعمال وأرذلها وأدناها وبذلك فإنه لا يعرف الكرامة ولا يمكن أن يكون كريما على الله ولا كريما على الناس بوجه من الوجوه ، قال الله سبحانه وتعالى: (ومن يهن الله فما له من مكرم) بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم وتاب علي وعليكم إنه هو التواب الرحيم.