- المشاركات
- 720
- مستوى التفاعل
- 53
- النقاط
- 28
فتنة الإستهزاء بالسنة
للشيخ الحسن ولد الددو
الخطبة الاولى
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليما كثيرا (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا) (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (70) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا)
أما بعد، فإن خير الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة ، عباد الله إن رسول الله صلى الله عليه وسلم حذر من الفتن التي تموج كقطع الليل المظلم بين يدي الساعة فقد ذكر أنها يصبح الرجل فيها مؤمنا و يمسي كافرا ويمسي مؤمنا ويصبح كافرا ، يبيع دينه بعرض من الدنيا ، وإن من الفتن المستشرية في هذا الزمان فتنة الاستهزاء بكتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن كثيرا من أبناء المؤمنين وقعوا الآن في هذه الفتنة فهم يستهزئون بالله وآياته ورسوله صلى الله عليه وسلم ويعلنون على الملأ استهزاءهم من سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم الثابتة عنه ، وهذا من المنكرات والفتن المضلة التي حذر منها رسول الله صلى الله عليه وسلم وإنما يقتدي هؤلاء بأسلافهم الذين سبقوهم إلى ذلك فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما خرج إلى تبوك خرج معه نفر من المنافقين لا يخرجهم إلا الاستهزاء بالله ورسوله والمؤمنين فتقدموا بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسيره فقال بعضهم لبعض ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء لا أرغب بطونا ولا أكذب ألسنة و لا أجبن عند اللقاء ، فأنزل الله على رسوله صلى الله عليه وسلم (ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم إن نعف عن طائفة منكم نعذب طائفة بأنهم كانوا مجرمين) قال ابن عباس فلقد رأيته أي صاحب هذه القصة وهو مخشي بن حمير تحت رحل رسول الله صلى الله عليه وسلم ممسكا بقلادة سيف رسول الله صلى الله عليه وسلم تنكبه الحجارة يقول: إنما كنا نخوض ونلعب ولا يزيد رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن يقول: (أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون) إن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو أرحم هذه الأمة بها وهو أرحم الخلائق بالخلائق وقد وصفه الله بذلك في كتابه إذ قال: (فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله) لم يرحم هؤلاء ولم يستجب لما يقولون ولم يقبل عذرهم لأن الله سبحانه وتعالى لم يعذرهم في كتابه وبين أنه إن عفا عن طائفة منهم فلا بد أن يعذب طائفة أخرى ، وذلك بأن يسلط عليهم سوء الخاتمة حتى يموتوا على الكفر فيستحقوا النار بذلك ـ نسأل الله السلامة والعافية ـ إن من استهزأ بآيات الله وكتابه ورسوله لا بد أن يموت على سوء الخاتمة إن لم يهده الله سبحانه وتعالى ويرجع عن ما كان عليه ولذلك فالذين يستهزئون بهذه الآيات في زماننا هذا ـ وأغلبهم من الجاهلين ـ ومنهم من ليس كذلك إنما يريدون سوء الخاتمة ويتعرضون له نسأل الله السلامة والعافية ، ولذلك تسمعون كثيرا منهم يستهزئون بالسنن الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم سواء منها ما كان يتعلق بشأن الصلاة كالقبض والضجعة الثابتة عنه صلى الله عليه وسلم بين ركعتي الفجر وصلاة الفجر ، وكذلك غير هذا من السنن فتسمعهم يستهزئون بمن يقبض كأن يده تؤلمه ، وتسمعهم يستهزئون بالذي يضطجع الضجعة الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم ويقولون إنما كان يفعلها جبلة ولا يدري هؤلاء أن جبلة رسول الله صلى الله عليه وسلم هي خير للناس من جبلاتهم ، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم الأمر بهذه الضجعة بقوله ، فماذا تقولون في قوله؟ إن هؤلاء عندما يقدمون على الاستهزاء بالسنن يظنون أنهم يضرون الذين يطبقون هذه السنن ، والواقع أنهم لا يضرون إلا أنفسهم ، وقد شاهدت يوما من الأيام في مسجد من مساجد هذه المدينة أتيت وقت صلاة الفجر فجاء شاب فصلى ركعتي الفجر فاضطجع تلك الضجعة الخفيفة وقام فنظرت إليه الأعين وأنكر عليه بعض الحاضرين وزعموا أنه من الذين أتوا بدين جديد وأن هذا لم يكن معروفا قبل مجيء هذه الدعوة وبدءوا يطعنون فيه ، فجاء عامل من الذين يبيعون الماء ويحملونه على الحمر الأهلية ، فقال هل ثبتت هذه الهيئة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: نعم ثبتت عنه فقال: أي شيء ثبت عنه فإني سأفعله والبأس الذي فيه يجعله الله في كبدي حتى لو جعلتموه كفرا ، فقطع الله ألسنتهم بكلمة هذا العامي الذي هو خير منهم في اعتقاده وفي ولائه لرسول الله صلى الله عليه وسلم وفي قناعته بسنته فرد على أولئك الذين يدعون الفقه في الدين بكلام لا يستطيعون بعده أن يراجعوه بكلمة واحدة ولا بشطر كلمة ، إن الذين يستهزئون بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم يظنون أنهم بذلك يشنون هجوما على الداعين إلى سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم لكن الواقع أنهم يهاجمون شخص رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد هاجمه قبلهم أبو جهل وعتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة ، فما ذا حصل لهم..؟! لقد جر أولئك على وجوههم إلى القليب ثم بعد ذلك هم في النار عن يسار الداخل إلى النار يوم القيامة ، إن الله عز وجل قال لرسوله صلى الله عليه وسلم في محكم التنزيل (إنا كفيناك المستهزئين) فقد كفاه الله كل الذين يستهزئون به وبسنته ، وهذا ماض إلى قيام الساعة ، فلا يستهزئ أحد برسول الله صلى الله عليه وسلم إلا كفاه الله إياه ، عباد الله إن الذين يستهزئون بالسنن الأخرى التي ترجع إلى اللباس أو غير ذلك ما هم إلا كهؤلاء الذين يستهزئون بهيئات صلاته فإنه صلى الله عليه وسلم مرسل إلى الناس كافة وقد جعله الله الإسوة الصالحة لجميع المؤمنين وقال: (لقد كان لكم في رسول الله إسوة حسنة) فالذين يسخرون من العمائم أو يصغرونها أو يسخرون ممن يبيت في المسجد أو ينام فيه أو يضع فيه متاعه إنما يسخرون من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فكل ذلك ثابت عنه صلى الله عليه وسلم وكان صلى الله عليه وسلم يلبس عمامته ويصلي بالناس ، وكان يلبسها في كل أوقاته حتى إنه لبسها فوق المغفر يوم الفتح كما في حديث جابر في صحيح مسلم ، وكذلك فإنه صلى الله عليه وسلم كان يسكن في المسجد وهو أحب البقاع إليه وعندما آلا من نسائه شهرا سكن في المسجد وعندما يعتكف فينقطع لعبادة ربه يسكن في المسجد ، وأصحابه الذين انقطعوا لعبادة الله وهم ضيوف رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل الصفة وكانوا ثلاثمائة وثمانين رجلا لم يكن لهم مأوى إلا مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم فكانوا يسكنون فيه ويتدارسون فيه العلم ويراجعون فيه ما سمعوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم ويحفظون فيه القرآن ، وكذلك فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان يسكن فيه من مرض من أصحابه ليعوده ، فقد ثبت أن سعد بن معاذ رضي الله عنه لما أصابه سهم يوم الأحزاب بنى له رسول الله صلى الله عليه وسلم خيمة في المسجد فكان يعوده فيها ، وكذلك كان ينزل فيه ضيوفه من الوفود الذين هم من حديثي الإسلام ، فمالك بن الحويرث وأصحابه وكانوا شببة حديثي عهد بالكفر لما أسلموا أنزلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد ، وكذلك كان ينزل فيه الأسرى الذين يطمع في إسلامهم ، فقد ربط فيه ثمامة بن أثال الحنفي فكان يمر عليه فيعرض عليه الإسلام فيقول يا محمد إن تمنن علي مننت على شاكر وإن تقتلني قتلت ذا دم فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرض عليه الإسلام ويتجاوزه حتى من عليه يوما فخرج إلى الحرة فاغتسل فجاء وأعلن إسلامه وكذلك كان صلى الله عليه وسلم يحبس فيه السبي الذين يعرض عليهم الإسلام ، فقد حبس فيه سفانة بنت حاتم بن عبد الله الطائي عند ما جاء بها علي في سبي طيئ ، فمر عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم في طريقه إلى الصلاة ، فقالت يا محمد مات الوالد وغاب الوافد فامنن علي من الله عليك ولا جعل لك إلى لئيم حاجة ، فقال: من والدك قالت حاتم بن عبد الله الطائي قال: ومن وافدك قالت عدي بن حاتم قال: آلفار من الله ورسوله ، فمن عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم فخرجت حتى جاءت بعدي مسلما ، قال عدي فدخلت على النبي صلى الله عليه وسلم فابتسم في وجهي ، فما دخلت عليه بعد إلا ابتسم في وجهي وثنا لي الوساد ، إن النبي صلى الله عليه وسلم إذن جعل المسجد عاصمة الإسلام فهو بيت مال المسلمين الذي لا يمكن أن تطوله أيدي المختلسين ، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يأمر في الليالي الثلاث الأخيرة من رمضان ببسط البسط في مؤخرة المسجد فيجعل الناس عليها صدقاتهم فإذا صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الفجر يوم عيد الفطر جلس إلى ذلك الطعام فأمر به فقسم بين المستحقين فإذا انتهى خرج إلى المصلى فصلى العيد ،