- المشاركات
- 260
- مستوى التفاعل
- 33
- النقاط
- 28
خطبة عاشوراء الدروس والعبر
إن الحمد لله نحمده ونستعينه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليما كثيرا، { يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (1)} [النساء]، { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (70) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (71)} [الأحزاب].
أما بعد فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة، عباد الله إن تذكر أيام الله سبحانه وتعالى من مهمات الرسل ومن مهمات شؤون الحياة، لما فيه من زيادة الإيمان وزيادة الخوف من الله وزيادة التوكل عليه والاعتماد عليه وتسليم الأمر إليه، ولذلك فإن الله تعالى جعل في السنة مواسم يتذكر فيها الناس أيام الله وسرعة أخذه لأعدائه من طواغيت الأرض، وما أحل بهم من العذاب العاجل وما وعدهم به من العقوبة الآجلة ومن ذلك هذا الموسم العظيم الذي أنتم فيه، فأنتم الآن في اليوم التاسع من شهر الله المحرم الذي هو من الأشهر الحرم التي قال الله فيها: {إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً} [التوبة 36] وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «أفضل الصيام بعد صيام رمضان صيام شهر الله المحرم، وحض رسول الله صلى الله عليه وسلم على صيام عاشوراء، فقد صح عنه أنه حين قدم مهاجرا إلى المدينة وجد اليهود يصومون هذا اليوم، فسألهم عنه فقالوا: هذا يوم أنقذ الله فيه موسى وقومه من فرعون وجنوده فقال: نحن أولى بموسى منهم، فصامه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وشرع للمسلمين صيامه، ولم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم يصومه إلى العام العاشر من الهجرة وهو العام الذي قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد نهايته، فذكر اليهود أنه أطاعهم في بعض دينهم وهو أنه صام يوم عاشوراء، فقال: لئن بقيت إلى قابل لأصومن التاسع وذلك مخالفة لليهود، والمقصود بذلك صيام التاسع مع العاشر، وكذلك فإن ابن عباس رضي الله عنهما أفتى بأن على الإنسان أن يخالف اليهود بأن يصوم يوما قبل عاشوراء أو يوما بعده، فصيام اليوم التاسع والعاشر والحادي عشر من الصيام المرغب فيه، وقد ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أن صيام يوم عاشوراء يكفر ذنوب سنة، وقد جاء كذلك في سنن أبي داود بإسناد صحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «صم من الحرم وأفطر صم من الحرم وأفطر صم من الحرم وأفطر» وهذا دليل على فضل الصيام في الأشهر الحرم كلها.
إن هذا اليوم العظيم الذي تنتظرونه في غدكم يوم ذكر أهل التفسير أنه الذي رست فيه سفينة نوح على الجودي، وفيه خرج يوسف من الجب وفيه كذلك أنقذ الله موسى وقومه من فرعون وجنوده بعد دوام العذاب الأليم برهة طويلة من الزمن، فإن فرعون من طواغيت الأرض الذين يظنون أنهم يملكون الأرض ومن عليها، وأن كل ما على الأرض ملك لهم، فهم يتصرفون فيه تصرف المالك في ملكه، ولذلك قال الله تعالى: { إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (4)} [القصص] وسنة الله سبحانه وتعالى أن يخرج أولئك الطواغيت في الأرض حتى يمتحن بهم الناس، فمن ذل لهم وانحنى أمامهم وقدم منهجهم على منهج الله تبرأ الله منه، وكان مصيره إلى النار، ومن رضي بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد صلى الله عليه وسلم رسولا ورضي بمنهج الله سبحانه وتعالى الذي جاء به رسله من عنده، فإن الله سبحانه وتعالى يجعل له فرجا ومخرجا، ولذلك فإن أركان الطواغيت كلها اجتمعت في فرعون، فإن أركان الطاغوت خمسة، الركن الأول منها الجبار الذي يملك السلطان في الأرض فيريد أن يفرض على الناس توجهاته وما أراده بالقوة، ولا يرضى أن يناقش في أي أمر من أموره وهذا حال فرعون فقد قال لهم: أنا ربكم الأعلى ولم يستنكروا، وكذلك فإنه كان يظن أن له ما على الأرض جميعا، وكان يأمر بالمستحيلات ولا يستطيع أحد أن يخالفه في أمره، فيقول لهامان: { ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (36) أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا } [غافر]، والركن الثاني هو الوزير المتسلق المتملق المنافق الذي يخيل إلى الطاغية أنه يستطيع أن يفعل كل ما يريد، وهذا يمثله هامان، فإنه لما أمره فرعون بذلك جمع الطين وبدأ يوقد عليه كأنه يريد أن يبني سلما إلى السماء، والركن الثالث من هذه الأركان رجل الأعمال الذي يسخر ماله لخدمة الطغيان وبقائه في الأرض فهو يتقرب بالقرابين إلى الطاغية ويأخذها من عرق الشعب المساكين كبني إسرائيل والمزارعين في مصر، ويمثل هذا قارون، فإنه كانت كنوزه بحيث لا تستطيع العصبة أولو القوة أن يحملوا مفاتيحها فقط، حتى إن أهل التفسير يذكرون أنه كان يتخذ المفاتيح من أقل أنواع الخشب كثافة ثم لما كثرت عن ذلك اتخذ مفاتيح من الجلود، ليستطيع حمل مفاتيح كنوزه، والركن الرابع من هذه الأركان هم رجال الدين الذين يسخرون ما أوتوا من العلم وما مكن لهم فيه من أمور الدين لخدمة الطغيان وبقائه واستمراره وتذليل الناس له ويمثلهم السحرة الذين كانوا يقولون قبل أن يؤمنوا: { بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ (44)} [الشعراء]، وهم بذلك يشترون عرضا من الدنيا بما يقدمونه للطاغية، { أَئِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ (41)} [الشعراء] فهم يطمعون في دريهمات فرعون يريدونها بدلا لما هم عليه من الدين السابق، والركن الخامس من هذه الأركان رجال الإعلام الذين يقلبون الحقائق ويكونون الرأي العام على خلاف الواقع، ويمثلهم الحاشرون، الذين كانوا يقولون للناس: { هَلْ أَنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ (39) لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ (40)} [الشعراء] فيقلبون الحقائق ويكذبون فيها وينقلونها للناس على غير وجهها، وهذه الأركان الخمسة ما اجتمعت في وقت من الأوقات إلا جاء انتقام الله سبحانه وتعالى وأخذه الوبيل، ولذلك فإن فرعون لما بغى وطغى وأكثر الفساد لم يستطع أقربوه أن يبينوا له الحق حتى إن رجلا مؤمنا من آله كان يكتم إيمانه ولا يستطيع أن يخاصم فيه إلا عندما رأى فرصته في آخر لحظة، عندما اتخذ فرعون ذلك القرار الجائر بأن يقتل موسى ويبرر ذلك للناس بأنه يخاف أن يفسد دينهم وأن يظهر في الأرض الفساد، فالطاغية لا يستطيع أن يبين للناس أنه ند لله وأنه يريد إفساد دين الله، بل يعتمد في قراراته للناس على أنه مدافع عن الدين، وأنه يخاف من موسى عليه السلام أن يغير دين الناس وأن يفسد في الأرض، فلذلك جاء الله سبحانه وتعالى بالآيات البينات، فبعث موسى بتسع آيات بينات، وهذه الآيات جاءت نكالا لفرعون وجنوده وجاءت على الترتيب، فأرسل الله عليهم القحط الشديد الذي أهلك زروعهم ومواشيهم، ثم بعد ذلك سلط الله عليهم الجراد الذي لا يبقي ولا يذر، ثم سلط عليهم الضفادع لا يرفعون وسادا ولا فراشا إلا خرجت من تحته، ثم بعد ذلك سلط عليهم القمل فامتلأت ثيابهم بالدماء وأصيبوا بالأمراض التي تنقلها تلك الحشرات، ثم بعد ذلك سلط عليهم الدم فكانت عروقهم تنفجر به في نومهم ويقظتهم وفي كل أوقاتهم، فلما لم ينزجروا عما هم عليه من الطغيان بين الله تعالى لموسى أنه لا بد من الصدع بالحق وإقامة الحجة، فأمره أن يرحل ببني إسرائيل ليلا من مصر، فرحل بهم وهم أهل خور وضعف وعجز، وهم بذلك إنما ينقادون لموسى لأنهم يرونه منقذا لهم، ولكنهم ليسوا يعتمدون على الله ولا يتكلون عليه لضعف إيمانهم به، فلما أمرهم موسى بذلك خرجوا معه على كره، فلما طلع الفجر إذا البحر من أمامهم، وقد اتبعهم فرعون بما لا طاقة لهم به من جنده، فقالوا لموسى: { إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (61)} [الشعراء] فقال موسى بكل إيمان وثقة: { كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ (62)} [الشعراء] فأمر الله موسى أن يضرب البحر بعصاه، فضربه فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم، فجعل الله فيه اثنتي عشرة طريقا يبسا لا تخاف دركا ولا تخشى، فخرج موسى ومن معه من بني إسرائيل من البحر لم يعلق بثيابهم ولم يصلوا في قعره إلى الوحل، بل وجدوا طريقا معبدا من الحجارة في قعر البحر يمرون عليه وهم ينظرون، فلما تجاوزوا البحر تبعهم فرعون بحماقته فلما توسط البحر بجنوده أمره الله فالتقمهم والتطم من فوقهم فلم تبق منهم باقية، وحين أحس فرعون بالغرق قال: { آَمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آَمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ } [يونس 90]، وفي ذلك الوقت لم يكن إيمانه ينفعه لأنه قد أخذه الله سبحانه وتعالى بأخذه الوبيل، وجاءته بطشة من بطشات الله عز وجل التي لا ترد عن القوم المجرمين، فبين الله له أن ذلك لم يكن لينقذه، فقال: { آَلْآَنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (91)} [يونس] ومع ذلك فإن الرجوع إلى الحق حتى عند الغرغرة لا بد أن يجد صاحبه نفعا منه ولو كان يسيرا، ففرعون قال الله له: { فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آَيَةً } [يونس 92] فنجاه الله ببدنه ليكون آية لمن خلفه من الطواغيت، فإذا ملك أحدهم مصر أو غيرها من البلدان أو وجد المنافقين المتسلقين المتملقين الذين يزعمون له أنه نال ما لم ينله غيره، وأن له حكم السماء وحكم الأرض وأن له الليل والنهار وما سكن فيهما، فإن عليه أن لا يغتر بذلك فقد سبقه فرعون لمثل هذا، وهذه جثته إلى وقت قيام هذا موجودة بمصر من شاء رآها رآها، وهي حجة باقية على إهلاك الله للطواغيت وأخذه الوبيل لكل من سولت له نفسه مخالفة منهج الله، { فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آَيَةً } [يونس 92] إن الله سبحانه وتعالى يمتحن الناس ويبتليهم بأنواع البلايا والمحن، وإنه سبحانه وتعالى قادر على أن لا يخلق الطغيان وأن لا يخلق الكفر ولكنه يبتلي الناس بذلك، وقد قال تعالى: { وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآَمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (99) وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ (100)} [يونس]، وقال تعالى: { وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آَيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا قُلْ إِنَّمَا الْآَيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ (109) وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (110) وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ (111)} [الأنعام] بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم وتاب علي وعليكم إنه هو التواب الرحيم.
إن الحمد لله نحمده ونستعينه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليما كثيرا، { يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (1)} [النساء]، { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (70) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (71)} [الأحزاب].
أما بعد فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة، عباد الله إن تذكر أيام الله سبحانه وتعالى من مهمات الرسل ومن مهمات شؤون الحياة، لما فيه من زيادة الإيمان وزيادة الخوف من الله وزيادة التوكل عليه والاعتماد عليه وتسليم الأمر إليه، ولذلك فإن الله تعالى جعل في السنة مواسم يتذكر فيها الناس أيام الله وسرعة أخذه لأعدائه من طواغيت الأرض، وما أحل بهم من العذاب العاجل وما وعدهم به من العقوبة الآجلة ومن ذلك هذا الموسم العظيم الذي أنتم فيه، فأنتم الآن في اليوم التاسع من شهر الله المحرم الذي هو من الأشهر الحرم التي قال الله فيها: {إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً} [التوبة 36] وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «أفضل الصيام بعد صيام رمضان صيام شهر الله المحرم، وحض رسول الله صلى الله عليه وسلم على صيام عاشوراء، فقد صح عنه أنه حين قدم مهاجرا إلى المدينة وجد اليهود يصومون هذا اليوم، فسألهم عنه فقالوا: هذا يوم أنقذ الله فيه موسى وقومه من فرعون وجنوده فقال: نحن أولى بموسى منهم، فصامه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وشرع للمسلمين صيامه، ولم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم يصومه إلى العام العاشر من الهجرة وهو العام الذي قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد نهايته، فذكر اليهود أنه أطاعهم في بعض دينهم وهو أنه صام يوم عاشوراء، فقال: لئن بقيت إلى قابل لأصومن التاسع وذلك مخالفة لليهود، والمقصود بذلك صيام التاسع مع العاشر، وكذلك فإن ابن عباس رضي الله عنهما أفتى بأن على الإنسان أن يخالف اليهود بأن يصوم يوما قبل عاشوراء أو يوما بعده، فصيام اليوم التاسع والعاشر والحادي عشر من الصيام المرغب فيه، وقد ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أن صيام يوم عاشوراء يكفر ذنوب سنة، وقد جاء كذلك في سنن أبي داود بإسناد صحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «صم من الحرم وأفطر صم من الحرم وأفطر صم من الحرم وأفطر» وهذا دليل على فضل الصيام في الأشهر الحرم كلها.
إن هذا اليوم العظيم الذي تنتظرونه في غدكم يوم ذكر أهل التفسير أنه الذي رست فيه سفينة نوح على الجودي، وفيه خرج يوسف من الجب وفيه كذلك أنقذ الله موسى وقومه من فرعون وجنوده بعد دوام العذاب الأليم برهة طويلة من الزمن، فإن فرعون من طواغيت الأرض الذين يظنون أنهم يملكون الأرض ومن عليها، وأن كل ما على الأرض ملك لهم، فهم يتصرفون فيه تصرف المالك في ملكه، ولذلك قال الله تعالى: { إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (4)} [القصص] وسنة الله سبحانه وتعالى أن يخرج أولئك الطواغيت في الأرض حتى يمتحن بهم الناس، فمن ذل لهم وانحنى أمامهم وقدم منهجهم على منهج الله تبرأ الله منه، وكان مصيره إلى النار، ومن رضي بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد صلى الله عليه وسلم رسولا ورضي بمنهج الله سبحانه وتعالى الذي جاء به رسله من عنده، فإن الله سبحانه وتعالى يجعل له فرجا ومخرجا، ولذلك فإن أركان الطواغيت كلها اجتمعت في فرعون، فإن أركان الطاغوت خمسة، الركن الأول منها الجبار الذي يملك السلطان في الأرض فيريد أن يفرض على الناس توجهاته وما أراده بالقوة، ولا يرضى أن يناقش في أي أمر من أموره وهذا حال فرعون فقد قال لهم: أنا ربكم الأعلى ولم يستنكروا، وكذلك فإنه كان يظن أن له ما على الأرض جميعا، وكان يأمر بالمستحيلات ولا يستطيع أحد أن يخالفه في أمره، فيقول لهامان: { ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (36) أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا } [غافر]، والركن الثاني هو الوزير المتسلق المتملق المنافق الذي يخيل إلى الطاغية أنه يستطيع أن يفعل كل ما يريد، وهذا يمثله هامان، فإنه لما أمره فرعون بذلك جمع الطين وبدأ يوقد عليه كأنه يريد أن يبني سلما إلى السماء، والركن الثالث من هذه الأركان رجل الأعمال الذي يسخر ماله لخدمة الطغيان وبقائه في الأرض فهو يتقرب بالقرابين إلى الطاغية ويأخذها من عرق الشعب المساكين كبني إسرائيل والمزارعين في مصر، ويمثل هذا قارون، فإنه كانت كنوزه بحيث لا تستطيع العصبة أولو القوة أن يحملوا مفاتيحها فقط، حتى إن أهل التفسير يذكرون أنه كان يتخذ المفاتيح من أقل أنواع الخشب كثافة ثم لما كثرت عن ذلك اتخذ مفاتيح من الجلود، ليستطيع حمل مفاتيح كنوزه، والركن الرابع من هذه الأركان هم رجال الدين الذين يسخرون ما أوتوا من العلم وما مكن لهم فيه من أمور الدين لخدمة الطغيان وبقائه واستمراره وتذليل الناس له ويمثلهم السحرة الذين كانوا يقولون قبل أن يؤمنوا: { بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ (44)} [الشعراء]، وهم بذلك يشترون عرضا من الدنيا بما يقدمونه للطاغية، { أَئِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ (41)} [الشعراء] فهم يطمعون في دريهمات فرعون يريدونها بدلا لما هم عليه من الدين السابق، والركن الخامس من هذه الأركان رجال الإعلام الذين يقلبون الحقائق ويكونون الرأي العام على خلاف الواقع، ويمثلهم الحاشرون، الذين كانوا يقولون للناس: { هَلْ أَنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ (39) لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ (40)} [الشعراء] فيقلبون الحقائق ويكذبون فيها وينقلونها للناس على غير وجهها، وهذه الأركان الخمسة ما اجتمعت في وقت من الأوقات إلا جاء انتقام الله سبحانه وتعالى وأخذه الوبيل، ولذلك فإن فرعون لما بغى وطغى وأكثر الفساد لم يستطع أقربوه أن يبينوا له الحق حتى إن رجلا مؤمنا من آله كان يكتم إيمانه ولا يستطيع أن يخاصم فيه إلا عندما رأى فرصته في آخر لحظة، عندما اتخذ فرعون ذلك القرار الجائر بأن يقتل موسى ويبرر ذلك للناس بأنه يخاف أن يفسد دينهم وأن يظهر في الأرض الفساد، فالطاغية لا يستطيع أن يبين للناس أنه ند لله وأنه يريد إفساد دين الله، بل يعتمد في قراراته للناس على أنه مدافع عن الدين، وأنه يخاف من موسى عليه السلام أن يغير دين الناس وأن يفسد في الأرض، فلذلك جاء الله سبحانه وتعالى بالآيات البينات، فبعث موسى بتسع آيات بينات، وهذه الآيات جاءت نكالا لفرعون وجنوده وجاءت على الترتيب، فأرسل الله عليهم القحط الشديد الذي أهلك زروعهم ومواشيهم، ثم بعد ذلك سلط الله عليهم الجراد الذي لا يبقي ولا يذر، ثم سلط عليهم الضفادع لا يرفعون وسادا ولا فراشا إلا خرجت من تحته، ثم بعد ذلك سلط عليهم القمل فامتلأت ثيابهم بالدماء وأصيبوا بالأمراض التي تنقلها تلك الحشرات، ثم بعد ذلك سلط عليهم الدم فكانت عروقهم تنفجر به في نومهم ويقظتهم وفي كل أوقاتهم، فلما لم ينزجروا عما هم عليه من الطغيان بين الله تعالى لموسى أنه لا بد من الصدع بالحق وإقامة الحجة، فأمره أن يرحل ببني إسرائيل ليلا من مصر، فرحل بهم وهم أهل خور وضعف وعجز، وهم بذلك إنما ينقادون لموسى لأنهم يرونه منقذا لهم، ولكنهم ليسوا يعتمدون على الله ولا يتكلون عليه لضعف إيمانهم به، فلما أمرهم موسى بذلك خرجوا معه على كره، فلما طلع الفجر إذا البحر من أمامهم، وقد اتبعهم فرعون بما لا طاقة لهم به من جنده، فقالوا لموسى: { إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (61)} [الشعراء] فقال موسى بكل إيمان وثقة: { كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ (62)} [الشعراء] فأمر الله موسى أن يضرب البحر بعصاه، فضربه فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم، فجعل الله فيه اثنتي عشرة طريقا يبسا لا تخاف دركا ولا تخشى، فخرج موسى ومن معه من بني إسرائيل من البحر لم يعلق بثيابهم ولم يصلوا في قعره إلى الوحل، بل وجدوا طريقا معبدا من الحجارة في قعر البحر يمرون عليه وهم ينظرون، فلما تجاوزوا البحر تبعهم فرعون بحماقته فلما توسط البحر بجنوده أمره الله فالتقمهم والتطم من فوقهم فلم تبق منهم باقية، وحين أحس فرعون بالغرق قال: { آَمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آَمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ } [يونس 90]، وفي ذلك الوقت لم يكن إيمانه ينفعه لأنه قد أخذه الله سبحانه وتعالى بأخذه الوبيل، وجاءته بطشة من بطشات الله عز وجل التي لا ترد عن القوم المجرمين، فبين الله له أن ذلك لم يكن لينقذه، فقال: { آَلْآَنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (91)} [يونس] ومع ذلك فإن الرجوع إلى الحق حتى عند الغرغرة لا بد أن يجد صاحبه نفعا منه ولو كان يسيرا، ففرعون قال الله له: { فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آَيَةً } [يونس 92] فنجاه الله ببدنه ليكون آية لمن خلفه من الطواغيت، فإذا ملك أحدهم مصر أو غيرها من البلدان أو وجد المنافقين المتسلقين المتملقين الذين يزعمون له أنه نال ما لم ينله غيره، وأن له حكم السماء وحكم الأرض وأن له الليل والنهار وما سكن فيهما، فإن عليه أن لا يغتر بذلك فقد سبقه فرعون لمثل هذا، وهذه جثته إلى وقت قيام هذا موجودة بمصر من شاء رآها رآها، وهي حجة باقية على إهلاك الله للطواغيت وأخذه الوبيل لكل من سولت له نفسه مخالفة منهج الله، { فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آَيَةً } [يونس 92] إن الله سبحانه وتعالى يمتحن الناس ويبتليهم بأنواع البلايا والمحن، وإنه سبحانه وتعالى قادر على أن لا يخلق الطغيان وأن لا يخلق الكفر ولكنه يبتلي الناس بذلك، وقد قال تعالى: { وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآَمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (99) وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ (100)} [يونس]، وقال تعالى: { وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آَيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا قُلْ إِنَّمَا الْآَيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ (109) وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (110) وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ (111)} [الأنعام] بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم وتاب علي وعليكم إنه هو التواب الرحيم.