- المشاركات
- 260
- مستوى التفاعل
- 33
- النقاط
- 28
سنة الابتلاء
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليما كثيرا (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا) (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (70) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا)
أما بعد، فإن خير الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة ، عباد الله إن كثيرا من الناس ينشغلون بالأسباب ويهتمون بها اهتماما زائدا ، وينسون أن الله سبحانه وتعالى هو الذي بيده الأمر كله وإليه يرجع الأمر كله ، لا معقب لحكمه ، وهو الذي يقول في محكم التنزيل: (إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون) ويقول: (إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون) ويقول تعالى: (لله الأمر من قبل ومن بعد) ويقول تعالى: (ألا إلى الله تصير الأمور) فالأمور كلها بيد الله وحده لا شريك له ، إن الاعتناء بالأسباب كثيرا ما ينتقل إلى إنساء الإنسان تدبير الله سبحانه وتعالى للكون فيعتني بمتابعة هذه الأسباب وتحليلها حتى يصل إلى أوجه كثيرة من الغلط والنسيان ، تقتضي به الغفلة عن الله سبحانه وتعالى وعن تدبير شؤون هذا الكون ، إن الغافلين عن الله سبحانه وتعالى كثيرا ما يبتليهم بتسليط الشيطان عليهم فيدخل بهم في غياهب الظلمات وهم يبحثون وراء الأسباب فلا يصلون إلى شيء ، إنما تتراءى لهم كما يرون السراب ، وقد قال الله تعالى: (والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا ووجد الله عنده فوفاه حسابه والله سريع الحساب) إن من أمثلة العناية بالأسباب ما نشهده لدى كثير من الناس عندما يعتقل إنسان يبحثون عن سبب اعتقاله وينسون أن الأمر كله لله عز وجل إما أن يرفع بذلك قدره وإما أن يغفر به ذنبه وإما أن يبتليه به ليعود ويتوب من ذنب كان قد اقترفه ، وإما أن يكون ذلك دفعا لبلاء أعظم ، كل ذلك من تدبير الله سبحانه وتعالى للكون ، فإنه قد يبتلي عباده إذا أراد أن يدفع بهم ضرا عن الإسلام ، يبتليهم بالسجون والاعتقالات فيعتقل أنصار دين الله ودعوته من أجل أن يدفع الله بهم بلاء أعظم كان سيحيق بالأمة كلها ، وذلك من تدبير الله الماضي وهو من سننه الكونية السابقة وهو من سنة التدافع التي بينها الله في كتابه وبين أنها لو انعدمت لفسدت هذه الأرض ، فقال: (ولولا دفاع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض) وإن الذين ينشغلون بهذه الأسباب يتلمسون أشبه ما يكون ببناء العنكبوت ، فيبحثون عن سر اعتقال فلان أو عزل فلان من الناس ، بأسباب واهية ، فربما ذكروا عن بعض الذين يعتقلون أنهم إنما اعتقلوا بسبب تقصير في أمر قد لا يكونون قصروا فيه أو بسبب زيادة وإسراف في أمر قد لا يكونوا قد أسرفوا فيه ، ولذلك كثيرا ما تسمعون أن أولياء الله وأنصار دعوته يعتقلون لأنهم بالغوا وتجاوزوا الحد المسموح به وتركوا الحكمة وراء ظهورهم ، وقالوا ما كان ينبغي لهم أن لا يقولوه ، أو فعلوا ما كان ينبغي لهم أن لا يفعلوه ، وهذا كله من وساوس الشيطان لا أصل له ، بل هي سنة ماضية ، ماذا فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنون معه بمكة حين حصروا في الشعب ثلاث سنين ، ماذا فعل أيوب عليه السلام وقد ابتلي ثماني عشرة سنة ولم يبق أحد من أوليائه وأقاربه يسلم عليه أو يرد عليه السلام إلا رجلين من أصدقائه كانا أخص الناس به فأتياه وهو على قمامة لبني إسرائيل فوقفا عليه فقال أحدهما للآخر لقد أذنب أيوب ذنب لم يصبه أحد من العالمين من ثماني عشرة سنة وهو مبتلى يسأل الله فلم يستجب له ، فسمعهما أيوب فرفع إصبعه إلى السماء وقال: أي رب إنك لتعلم أني كنت أخرج من بيتي فأسمع الرجلين يتشاجران فيذكران الله عز وجل فأعود إلى بيتي فأتصدق لأكفر عنهما حين ذكرا اسمك ، فدعا الله سبحانه وتعالى وقال: (إني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين) فاستجاب الله له ورفع ما به من ضر وآتاه أهله ومثلهم معهم في لحظة واحدة ، قال الله له: (اركض برجلك هذا مغتسل بارد وشراب) فركض برجله عند منتهى القمامة فثاب منها الماء فاغتسل به فزال ما به من الضر في ظاهره وشرب منه فزال ما من الضر بباطنه وأنزل الله عليه كسوة من كسا الجنة فلبسها فجاءت امرأته فما عرفته فقالت: أين المبتلى الذي كان هنا لعل الكلاب قد اختطفته ، فقال لها أنا أيوب ، فلم تصدقه في ذلك فعرف أنها لا تعرف نعمة الله سبحانه وتعالى فأقسم ليجلدنها مائة سوط ، فأنزل الله تعالى عليه: (وخذ بيدك ضغثا فاضرب به ولا تحنث) فضربها بضغث من العراجين يبلغ مائة عرجون ضربة واحدة ، وقد قال ابن كثير رحمه الله في تفسير قول الله تعالى: (رحمة من عندنا وذكرى للعابدين) قال ذكرى للعابدين ليعرف المبتلون أنهم ما ابتلوا لهوانهم علينا ، وليقتدوا بأيوب في صبره على البلاء ، إن علينا أن نعلم أن أولياء الله سبحانه وتعالى لا بد أن يبتلوا في طريق دعوتهم وفي سبيلهم الذي سلكوه و اختاروه وهو طريق الجنة المحفوف بالمكاره ، ولا بد أن نعلم أن الأسباب التي يختلقها الناس إنما هي من البلاء أيضا فتراهم يتحدثون عن المضايقات وتراهم يتحدثون عن الكلام بغير دقة أو بغير صدق أو عن أفعال ما ، ليس لها أي مصداقية ولا أي وجود ، كل ذلك من الافتراءات والابتلاءات ، وتراهم ربما يتحدثون أيضا عن بعض الأرصدة ، وهم يعلمون أن أولياء الله لو كانوا يريدون الدنيا لنافقوا كما ينافق المنافقون ، ولعرفوا من أين تجمع ، ولكنهم يعلمون أن الذين يجمعونها من غير حلها ويضعونها في غير محلها هم الذين يلقون في النار الموصدة يوم القيامة ، وقد قال الله تعالى: (ويل لكل همزة لمزة الذي جمع مالا وعدده يحسب أن ماله أخلده كلا لينبذن في الحطمة وما أدراك ما الحطمة نار الله الموقدة التي تطلع على الأفئدة) إن الذين يجمعون الأموال من غير حلها ويضعونها في غير محلها لا يتعرضون لمثل ما يتعرض له أولياء الله ، وهذا أصرح دليل على أن هذا إنما هو من البحث عن الأسباب الباطلة ، ومثل ذلك ما يبحثون عنه عندما يبتلي الله سبحانه وتعالى بعض المنافقين أو المكذبين أو الذين لا يبالون هذا الدين باله فيعجل الله لهم بعض ما يبتليهم به في هذه الحياة ، ولا يساوي شيئا مما يدخر لهم إن لم يتوبوا عند الله عز وجل (بل الساعة موعدهم والساعة أدهى وأمر) فيبحث الناس عن أسباب ذلك ويقولون فلان بدرت منه كلمة أو فعل فعلا وهم يعلمون في قرارة أنفسهم أن الأمر كله بيد الله وأن الله سبحانه وتعالى إذا أراد أن يعجل شيئا من البلاء للناس فلا يمكن أن يرده عنهم أحد (قل أفرأيتم ما تدعون من دون الله إن أرادني الله بضر هل هن كاشفات ضره أو أرادني برحمة هل هن ممسكات رحمته قل حسبي الله عليه يتوكل المتوكلون) (وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يمسسك بخير فهو على كل شيء قدير) (وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يردك بخير فلا راد لفضله يصيب به من يشاء من عباده) (ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها وما يمسك فلا مرسل له من بعده) إن الله سبحانه وتعالى هو الذي يفعل ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة ، والقلوب كلها بين أصبعين من أصابعه ولكن له الحكمة البالغة في كل فعل يفعله ، وقد قال سبحانه وتعالى (قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شيء قدير تولج الليل في النهار وتولج النهار في الليل وتخرج الحي من الميت وتخرج الميت من الحي) فلذلك لا بد أن نعلم أن أمر الله سبحانه وتعالى نافذ وأن تلمس الأسباب هو الذي يوقع في هذه الغياهب والزلات ، وأن الذين يقنعون بالأسباب ويشتغلون بها ويغفلون عن تدبير الله فيها إنما يتلمسون أمرا معدوما لا حقيقة له ، فإذا جاء القحط لم يتذكروا التوبة والرجوع إلى الله ، بل تذكروا أن تيار كناريا قد نقل الجبهة المدارية إلى موقع كذا.. وإذا جاء الغلاء لم يتذكروا ابتلاء الله سبحانه وتعالى ولم يتذكروا الذنوب التي هي سبب الغلاء من انتشار الربا والغش والخداع وغير ذلك من كل ما هو مناف للصدق ، بل يبحثون عن الانكماش والتضخم في الاقتصاد ، فيحيلون ذلك إلى أسباب باطلة إنما هي من ابتلاء الله سبحانه وتعالى إن من سنة الله سبحانه وتعالى أنه لا يرفع شيئا من هذه الدنيا إلا وضعه وقد أخرج البخاري في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: \"كان حقا على الله أن لا يرفع شيئا من الدنيا إلا وضعه\" فما من أحد إلا وسيأتي يومه ، ما من أحد من أهل هذه الحياة الدنيا إلا وسيأتي يومه لكن ذلك متفاوت ، فأهل الإيمان والتقوى يومهم يوم مشرف ، يومهم هو في مقعد صدق عند مليك مقتدر ، يومهم الذي يرجون أن يبيض الله وجوههم وأن يعطيهم كتبهم بأيمانهم ، وأن يناديهم سبحانه وتعالى بعد أن يدخلوا الجنة فيقول: (سلام قولا من رب رحيم) فلا ينظرون إلى شيء مما هم فيه ما داموا ينظرون إلى وجهه الكريم ، كل ما دون ذلك لا يقنعون به ولا يرضون به بحال من الأحوال ولو عرضت عليهم الدنيا بحذافيرها لما قنعوا بها التفتوا إليها أصلا لعلمهم أن كلما فيها هو زائل منقطع ولا يساوي شيئا مما يدخره الله لأوليائه ، ولذلك فإنما بينهم من العلاقة والصداقة إنما هو لله فلا ينقطع في هذه الحياة ولا ينقطع في الدار الآخرة ، قال الله تعالى: (والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله أولئك سيرحمهم الله) هذه ولايتهم في الحياة الدنيا وكذلك في الآخرة يقول الله تعالى: (إن المتقين في جنات وعيون أدخلوها بسلام آمنين ونزعنا ما في صدورهم من غل إخوانا على سرر متقابلين) ويقول تعالى: (يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفدا) فهم وفد الله سبحانه وتعالى وهم إخوان في الحياة الدنيا إخوان في الدار الآخرة على سرر متقابلين وهم الذين لا يحزنون إذا حزن الناس ولا يفزعون إذا فزعوا وقد قال الله تعالى: (إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون لا يسمعون حسيسها وهم فيما اشتهت أنفسهم خالدون لا يحزنهم الفزع الأكبر وتتلقاهم الملائكة هذا يومكم الذي كنتم توعدون) أما أهل الدنيا فإنما بينهم ليس لذات الله ولذلك ينقطع ، وقد جاء في الحكمة: ما كان لله استمر واتصل وما كان لغيره انقطع وانفصل ، فما بينهم من العلاقات والمحبة والمودة في هذه الحياة إنما هو على أساس ليدفع معور عن معور ، إنما هو على أساس المصالح المنقطعة ، ولذلك تجد بعضهم يجفو بعضا لأقل الأسباب وأدناها ، بل ربما طرده من مجلسه وقد كان قبل هذا المجلس أخص الناس به وأولاهم به وبذلك يعلم أن قلوبهم ليست صافية ولا خالصة وأن علاقاتهم ليست مبنية على أي أساس ، فلذلك علينا أن نعلم عباد الله أن أهل النفاق وأهل التصفيق يفرحون بولاية أهل الدنيا وبالقرب منهم ، وبالوصول إلى مناصبهم وينسون أن ذلك كله منقطع وزائل وأن الإنسان إذا بلغ أعلى ذلك وذروته فحينئذ قد بلغ إلى الزوال وآذن بالانتقال وهكذا حياة أهل الدنيا كلها ولهذا فإن الإنسان إذا كانت علاقته مع غيره لغير الله فمالأه على نصرة باطله فسيسلطه الله عليه لا محالة إما أن يسلط الكبير على الصغير وإما أن يسلط الصغير على الكبير ، ولهذا على أهل الباطل أن لا يثقوا بالمنافقين الذين يساعدونهم في نفاقهم ويغشونهم في أمورهم ولا ينصحون لهم وأن يعلموا أنهم أعداؤهم في الواقع ، ولذلك قال الله تعالى: (الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين) وقال تعالى: (ويوم يعض الظالم على يديه يقول يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلا يا ويلتا ليتني لم أتخذ فلانا خليلا لقد أضلني عن الذكر بعد إذ جاءني وكان الشيطان للإنسان خذولا) وآية ذلك في هذه الحياة سرعة الانتقال والزوال والتقلب عن المواقف حتى إن أحدهم في نفس اليوم الذي كان فيه عزيزا صاحب قرار وقد كان سجانا يصبح مسجونا في نفس اليوم ، فهو سجان في الصباح وهو مسجون في المساء أو يتمتع ببيت وسيارة ومكانة فينتزع ذلك منه بجرة قلم دون أن يكون له حق المراجعة أو حق التأخير في أية لحظة من اللحظات إن الذي يعرف هذا تهون عليه علائق أهل الدنيا ويعلم أن كلها إلى الزوال ، وأن تقلبات هذه الحياة إنما هي على وفق مراد الله سبحانه وتعالى وتدبيره ، ولا يمكن أن تأتي إلا على وفق سننه الماضية ولا مبدل لكلمات الله ، صدق الله العظيم.
عباد الله إن من عرف هذا التقلب ينبغي أن يركن إلى الحي الذي لا يموت وأن تكون ولايته له سبحانه و تعالى وحده ، وأن يكون توكله عليه ، وقد قال الله تعالى: (فتوكل على الحي الذي لا يموت) وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم في توكله على الله عز وجل: \"والجن والإنس يموتون\" نهاية الأمر في هذه الحياة الذي يفصمها ويفصلها هو الموت ، فالذي يتوكل الإنسان عليه ويتقرب إليه ويعتمد على صداقته وولائه سيفرق بينه وبينه الموت ، وهو مفرق الأحبة ومباعد القلوب وسيأتي لا محالة (قل إن الموت الذي تفرون منه فإنه ملاقيكم ثم تردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون) بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم وتاب علي وعليكم إنه هو التواب الرحيم.
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليما كثيرا (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا) (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (70) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا)
أما بعد، فإن خير الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة ، عباد الله إن كثيرا من الناس ينشغلون بالأسباب ويهتمون بها اهتماما زائدا ، وينسون أن الله سبحانه وتعالى هو الذي بيده الأمر كله وإليه يرجع الأمر كله ، لا معقب لحكمه ، وهو الذي يقول في محكم التنزيل: (إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون) ويقول: (إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون) ويقول تعالى: (لله الأمر من قبل ومن بعد) ويقول تعالى: (ألا إلى الله تصير الأمور) فالأمور كلها بيد الله وحده لا شريك له ، إن الاعتناء بالأسباب كثيرا ما ينتقل إلى إنساء الإنسان تدبير الله سبحانه وتعالى للكون فيعتني بمتابعة هذه الأسباب وتحليلها حتى يصل إلى أوجه كثيرة من الغلط والنسيان ، تقتضي به الغفلة عن الله سبحانه وتعالى وعن تدبير شؤون هذا الكون ، إن الغافلين عن الله سبحانه وتعالى كثيرا ما يبتليهم بتسليط الشيطان عليهم فيدخل بهم في غياهب الظلمات وهم يبحثون وراء الأسباب فلا يصلون إلى شيء ، إنما تتراءى لهم كما يرون السراب ، وقد قال الله تعالى: (والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا ووجد الله عنده فوفاه حسابه والله سريع الحساب) إن من أمثلة العناية بالأسباب ما نشهده لدى كثير من الناس عندما يعتقل إنسان يبحثون عن سبب اعتقاله وينسون أن الأمر كله لله عز وجل إما أن يرفع بذلك قدره وإما أن يغفر به ذنبه وإما أن يبتليه به ليعود ويتوب من ذنب كان قد اقترفه ، وإما أن يكون ذلك دفعا لبلاء أعظم ، كل ذلك من تدبير الله سبحانه وتعالى للكون ، فإنه قد يبتلي عباده إذا أراد أن يدفع بهم ضرا عن الإسلام ، يبتليهم بالسجون والاعتقالات فيعتقل أنصار دين الله ودعوته من أجل أن يدفع الله بهم بلاء أعظم كان سيحيق بالأمة كلها ، وذلك من تدبير الله الماضي وهو من سننه الكونية السابقة وهو من سنة التدافع التي بينها الله في كتابه وبين أنها لو انعدمت لفسدت هذه الأرض ، فقال: (ولولا دفاع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض) وإن الذين ينشغلون بهذه الأسباب يتلمسون أشبه ما يكون ببناء العنكبوت ، فيبحثون عن سر اعتقال فلان أو عزل فلان من الناس ، بأسباب واهية ، فربما ذكروا عن بعض الذين يعتقلون أنهم إنما اعتقلوا بسبب تقصير في أمر قد لا يكونون قصروا فيه أو بسبب زيادة وإسراف في أمر قد لا يكونوا قد أسرفوا فيه ، ولذلك كثيرا ما تسمعون أن أولياء الله وأنصار دعوته يعتقلون لأنهم بالغوا وتجاوزوا الحد المسموح به وتركوا الحكمة وراء ظهورهم ، وقالوا ما كان ينبغي لهم أن لا يقولوه ، أو فعلوا ما كان ينبغي لهم أن لا يفعلوه ، وهذا كله من وساوس الشيطان لا أصل له ، بل هي سنة ماضية ، ماذا فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنون معه بمكة حين حصروا في الشعب ثلاث سنين ، ماذا فعل أيوب عليه السلام وقد ابتلي ثماني عشرة سنة ولم يبق أحد من أوليائه وأقاربه يسلم عليه أو يرد عليه السلام إلا رجلين من أصدقائه كانا أخص الناس به فأتياه وهو على قمامة لبني إسرائيل فوقفا عليه فقال أحدهما للآخر لقد أذنب أيوب ذنب لم يصبه أحد من العالمين من ثماني عشرة سنة وهو مبتلى يسأل الله فلم يستجب له ، فسمعهما أيوب فرفع إصبعه إلى السماء وقال: أي رب إنك لتعلم أني كنت أخرج من بيتي فأسمع الرجلين يتشاجران فيذكران الله عز وجل فأعود إلى بيتي فأتصدق لأكفر عنهما حين ذكرا اسمك ، فدعا الله سبحانه وتعالى وقال: (إني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين) فاستجاب الله له ورفع ما به من ضر وآتاه أهله ومثلهم معهم في لحظة واحدة ، قال الله له: (اركض برجلك هذا مغتسل بارد وشراب) فركض برجله عند منتهى القمامة فثاب منها الماء فاغتسل به فزال ما به من الضر في ظاهره وشرب منه فزال ما من الضر بباطنه وأنزل الله عليه كسوة من كسا الجنة فلبسها فجاءت امرأته فما عرفته فقالت: أين المبتلى الذي كان هنا لعل الكلاب قد اختطفته ، فقال لها أنا أيوب ، فلم تصدقه في ذلك فعرف أنها لا تعرف نعمة الله سبحانه وتعالى فأقسم ليجلدنها مائة سوط ، فأنزل الله تعالى عليه: (وخذ بيدك ضغثا فاضرب به ولا تحنث) فضربها بضغث من العراجين يبلغ مائة عرجون ضربة واحدة ، وقد قال ابن كثير رحمه الله في تفسير قول الله تعالى: (رحمة من عندنا وذكرى للعابدين) قال ذكرى للعابدين ليعرف المبتلون أنهم ما ابتلوا لهوانهم علينا ، وليقتدوا بأيوب في صبره على البلاء ، إن علينا أن نعلم أن أولياء الله سبحانه وتعالى لا بد أن يبتلوا في طريق دعوتهم وفي سبيلهم الذي سلكوه و اختاروه وهو طريق الجنة المحفوف بالمكاره ، ولا بد أن نعلم أن الأسباب التي يختلقها الناس إنما هي من البلاء أيضا فتراهم يتحدثون عن المضايقات وتراهم يتحدثون عن الكلام بغير دقة أو بغير صدق أو عن أفعال ما ، ليس لها أي مصداقية ولا أي وجود ، كل ذلك من الافتراءات والابتلاءات ، وتراهم ربما يتحدثون أيضا عن بعض الأرصدة ، وهم يعلمون أن أولياء الله لو كانوا يريدون الدنيا لنافقوا كما ينافق المنافقون ، ولعرفوا من أين تجمع ، ولكنهم يعلمون أن الذين يجمعونها من غير حلها ويضعونها في غير محلها هم الذين يلقون في النار الموصدة يوم القيامة ، وقد قال الله تعالى: (ويل لكل همزة لمزة الذي جمع مالا وعدده يحسب أن ماله أخلده كلا لينبذن في الحطمة وما أدراك ما الحطمة نار الله الموقدة التي تطلع على الأفئدة) إن الذين يجمعون الأموال من غير حلها ويضعونها في غير محلها لا يتعرضون لمثل ما يتعرض له أولياء الله ، وهذا أصرح دليل على أن هذا إنما هو من البحث عن الأسباب الباطلة ، ومثل ذلك ما يبحثون عنه عندما يبتلي الله سبحانه وتعالى بعض المنافقين أو المكذبين أو الذين لا يبالون هذا الدين باله فيعجل الله لهم بعض ما يبتليهم به في هذه الحياة ، ولا يساوي شيئا مما يدخر لهم إن لم يتوبوا عند الله عز وجل (بل الساعة موعدهم والساعة أدهى وأمر) فيبحث الناس عن أسباب ذلك ويقولون فلان بدرت منه كلمة أو فعل فعلا وهم يعلمون في قرارة أنفسهم أن الأمر كله بيد الله وأن الله سبحانه وتعالى إذا أراد أن يعجل شيئا من البلاء للناس فلا يمكن أن يرده عنهم أحد (قل أفرأيتم ما تدعون من دون الله إن أرادني الله بضر هل هن كاشفات ضره أو أرادني برحمة هل هن ممسكات رحمته قل حسبي الله عليه يتوكل المتوكلون) (وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يمسسك بخير فهو على كل شيء قدير) (وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يردك بخير فلا راد لفضله يصيب به من يشاء من عباده) (ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها وما يمسك فلا مرسل له من بعده) إن الله سبحانه وتعالى هو الذي يفعل ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة ، والقلوب كلها بين أصبعين من أصابعه ولكن له الحكمة البالغة في كل فعل يفعله ، وقد قال سبحانه وتعالى (قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شيء قدير تولج الليل في النهار وتولج النهار في الليل وتخرج الحي من الميت وتخرج الميت من الحي) فلذلك لا بد أن نعلم أن أمر الله سبحانه وتعالى نافذ وأن تلمس الأسباب هو الذي يوقع في هذه الغياهب والزلات ، وأن الذين يقنعون بالأسباب ويشتغلون بها ويغفلون عن تدبير الله فيها إنما يتلمسون أمرا معدوما لا حقيقة له ، فإذا جاء القحط لم يتذكروا التوبة والرجوع إلى الله ، بل تذكروا أن تيار كناريا قد نقل الجبهة المدارية إلى موقع كذا.. وإذا جاء الغلاء لم يتذكروا ابتلاء الله سبحانه وتعالى ولم يتذكروا الذنوب التي هي سبب الغلاء من انتشار الربا والغش والخداع وغير ذلك من كل ما هو مناف للصدق ، بل يبحثون عن الانكماش والتضخم في الاقتصاد ، فيحيلون ذلك إلى أسباب باطلة إنما هي من ابتلاء الله سبحانه وتعالى إن من سنة الله سبحانه وتعالى أنه لا يرفع شيئا من هذه الدنيا إلا وضعه وقد أخرج البخاري في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: \"كان حقا على الله أن لا يرفع شيئا من الدنيا إلا وضعه\" فما من أحد إلا وسيأتي يومه ، ما من أحد من أهل هذه الحياة الدنيا إلا وسيأتي يومه لكن ذلك متفاوت ، فأهل الإيمان والتقوى يومهم يوم مشرف ، يومهم هو في مقعد صدق عند مليك مقتدر ، يومهم الذي يرجون أن يبيض الله وجوههم وأن يعطيهم كتبهم بأيمانهم ، وأن يناديهم سبحانه وتعالى بعد أن يدخلوا الجنة فيقول: (سلام قولا من رب رحيم) فلا ينظرون إلى شيء مما هم فيه ما داموا ينظرون إلى وجهه الكريم ، كل ما دون ذلك لا يقنعون به ولا يرضون به بحال من الأحوال ولو عرضت عليهم الدنيا بحذافيرها لما قنعوا بها التفتوا إليها أصلا لعلمهم أن كلما فيها هو زائل منقطع ولا يساوي شيئا مما يدخره الله لأوليائه ، ولذلك فإنما بينهم من العلاقة والصداقة إنما هو لله فلا ينقطع في هذه الحياة ولا ينقطع في الدار الآخرة ، قال الله تعالى: (والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله أولئك سيرحمهم الله) هذه ولايتهم في الحياة الدنيا وكذلك في الآخرة يقول الله تعالى: (إن المتقين في جنات وعيون أدخلوها بسلام آمنين ونزعنا ما في صدورهم من غل إخوانا على سرر متقابلين) ويقول تعالى: (يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفدا) فهم وفد الله سبحانه وتعالى وهم إخوان في الحياة الدنيا إخوان في الدار الآخرة على سرر متقابلين وهم الذين لا يحزنون إذا حزن الناس ولا يفزعون إذا فزعوا وقد قال الله تعالى: (إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون لا يسمعون حسيسها وهم فيما اشتهت أنفسهم خالدون لا يحزنهم الفزع الأكبر وتتلقاهم الملائكة هذا يومكم الذي كنتم توعدون) أما أهل الدنيا فإنما بينهم ليس لذات الله ولذلك ينقطع ، وقد جاء في الحكمة: ما كان لله استمر واتصل وما كان لغيره انقطع وانفصل ، فما بينهم من العلاقات والمحبة والمودة في هذه الحياة إنما هو على أساس ليدفع معور عن معور ، إنما هو على أساس المصالح المنقطعة ، ولذلك تجد بعضهم يجفو بعضا لأقل الأسباب وأدناها ، بل ربما طرده من مجلسه وقد كان قبل هذا المجلس أخص الناس به وأولاهم به وبذلك يعلم أن قلوبهم ليست صافية ولا خالصة وأن علاقاتهم ليست مبنية على أي أساس ، فلذلك علينا أن نعلم عباد الله أن أهل النفاق وأهل التصفيق يفرحون بولاية أهل الدنيا وبالقرب منهم ، وبالوصول إلى مناصبهم وينسون أن ذلك كله منقطع وزائل وأن الإنسان إذا بلغ أعلى ذلك وذروته فحينئذ قد بلغ إلى الزوال وآذن بالانتقال وهكذا حياة أهل الدنيا كلها ولهذا فإن الإنسان إذا كانت علاقته مع غيره لغير الله فمالأه على نصرة باطله فسيسلطه الله عليه لا محالة إما أن يسلط الكبير على الصغير وإما أن يسلط الصغير على الكبير ، ولهذا على أهل الباطل أن لا يثقوا بالمنافقين الذين يساعدونهم في نفاقهم ويغشونهم في أمورهم ولا ينصحون لهم وأن يعلموا أنهم أعداؤهم في الواقع ، ولذلك قال الله تعالى: (الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين) وقال تعالى: (ويوم يعض الظالم على يديه يقول يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلا يا ويلتا ليتني لم أتخذ فلانا خليلا لقد أضلني عن الذكر بعد إذ جاءني وكان الشيطان للإنسان خذولا) وآية ذلك في هذه الحياة سرعة الانتقال والزوال والتقلب عن المواقف حتى إن أحدهم في نفس اليوم الذي كان فيه عزيزا صاحب قرار وقد كان سجانا يصبح مسجونا في نفس اليوم ، فهو سجان في الصباح وهو مسجون في المساء أو يتمتع ببيت وسيارة ومكانة فينتزع ذلك منه بجرة قلم دون أن يكون له حق المراجعة أو حق التأخير في أية لحظة من اللحظات إن الذي يعرف هذا تهون عليه علائق أهل الدنيا ويعلم أن كلها إلى الزوال ، وأن تقلبات هذه الحياة إنما هي على وفق مراد الله سبحانه وتعالى وتدبيره ، ولا يمكن أن تأتي إلا على وفق سننه الماضية ولا مبدل لكلمات الله ، صدق الله العظيم.
عباد الله إن من عرف هذا التقلب ينبغي أن يركن إلى الحي الذي لا يموت وأن تكون ولايته له سبحانه و تعالى وحده ، وأن يكون توكله عليه ، وقد قال الله تعالى: (فتوكل على الحي الذي لا يموت) وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم في توكله على الله عز وجل: \"والجن والإنس يموتون\" نهاية الأمر في هذه الحياة الذي يفصمها ويفصلها هو الموت ، فالذي يتوكل الإنسان عليه ويتقرب إليه ويعتمد على صداقته وولائه سيفرق بينه وبينه الموت ، وهو مفرق الأحبة ومباعد القلوب وسيأتي لا محالة (قل إن الموت الذي تفرون منه فإنه ملاقيكم ثم تردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون) بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم وتاب علي وعليكم إنه هو التواب الرحيم.