الفصل الثالث: جهود الآمدي في علم الدلالة
المبحث الأول: اعتباطية الدليل اللساني:
في مبحث "مبدأ اللغات وطرق معرفتها" يتناول الآمدي قضية لغوية كانت مدار جدل كبير بين العلماء في عصره، بل وفي تاريخ البشرية الطويل، وقد أعيد تناول هذه القضية مع اللغوي فرديناند دي سوسير في العصر الحديث، وهي قضية علاقة الدال بمدلوله، أو الاسم بمسماه هل تعود إلى مناسبة طبيعية وهي قضية علاقة الدال بمدلوله، أو الاسم بمسماه هل تعود إلى مناسبة طبيعية أم هي غير معلَّلة؟ انبثقت عن هذا الموضوع مواضيع فرعية أبرزت من خلالها جوانب مهمة في اللغة، وقد ذهب دي سوسير إلى اعتبار العلاقة بين الدال والمدلول علاقة اعتباطية، كيفية، لأن الدال لا يستمد معناه وقيمته الدلالية من بنيته الصوتية. وقد جمع سويسر الدال والمدلول في مصطلح واحد سماه "الدليل اللساني. (Le signe l,inguistique)[SUP](
[SUP][1][/SUP][/SUP]).
أما الآمدي فقد سار على منهج علمي، عرض في /أوله لآراء/ العلماء حول مسألة العلاقة بين الدال والمدلول، وسَاق أدلتهم في ذلك، منهم المعتزلة الذين اعتبروا العلاقة بين الدال والمدلول علاقة طبيعية أي ليست اعتباطية، فالمدلول في رأيهم يستدعي دالاً يناسبه ويشاكله ولا يستدعي دالاً آخر. يقول الآمدي عارضاً هذا الرأي: "ذهب أرباب علم التكسير وبعض المعتزلة إلى ذلك، مصيراً منهم إلى أنه لو لم يكن بين اللفظ ومعناه مناسبة طبيعية، لما كان اختصاص ذلك المعنى بذلك اللفظ أولى من غيره. ويرى الآمدي غير ما رآه المعتزلة، ومن ذهب مذهبهم من العلماء، إذ لا يعتبر العلة التي استند عليها المعتزلة وغيرهم في القول باعتباطية الدليل اللساني قوية، ذلك أن الوضع الأول لما ربط اللفظ بمعناه كان يمكن أن يختار لفظاً آخر أو نقيضه، بدليل وجود المشترك اللفظي في اللغة كلفظ الجون الذي يدل على اللون الأبيض والأسود، ولفظ القرء الذي يعني الحيض والطهر وغيرها من الألفاظ، فلا مناسبة طبيعة بين طرفي الدليل اللساني، وإنما اتصل الدال بمدلوله لغرض من الأغراض المخصوصة وليست لعلة ذاتية. يقول الآمدي موضحاً ذلك: "فإننا نعلم أن الواضع في ابتداء الوضع، لو وضع لفظ الوجود على العدم والعدم على الوجود، واسم كل ضد على مقابله لما كان ممتنعاً كيف وقد وضع ذلك كما في اسم الجون والقرء، ونحوه، والإسم الواحد لا يكون مناسباً لطبيعة الشيء ولعدمه، وحيث خصص الواضع بعض الألفاظ ببعض المدلولات إنما كان ذلك نظراً إلى الإرادة المخصصة"[SUP](
[SUP][2][/SUP][/SUP]). وإذا ثبت عند الآمدي أن القول باعتباطية الدليل اللساني متمتع بالتعليل الذي تقدم به، فالقول بالوضع الاختياري يبدو مناسباً لوصف العلاقة غير المعللة بين وجهي "الإشارة اللغوية"، وذلك بما يتوفر من الشواهد النقلية خاصة التي استند عليها أصحاب هذا المذهب. يقول الآمدي: "وإذا بطلت المناسبة الطبيعية وظهر أن مستند تخصيص بعض الألفاظ ببعض المعاني إنما هو الوضع الاختياري فقد يختلف الأصوليون فيه"[SUP](
[SUP][3][/SUP][/SUP]).
المبحث الثاني: الأنساق الدلالية (أنواع العلاقات وأقسامها):
لقد بحث الدرس الدلالي الحديث، أنواع الدلالات واعتمد في سبيل تصنيفها على معايير تخضع لمقياس الطبيعة أو لمقياس العقل أو لمقياس العرف، فأحصوا بناء على ذلك أنواعاً من الدلالات كالدلالة الطبيعية، والدلالة المنطقية العقلية، والدلالة العرفية الوضعية(
[4])
أما الآمدي فقد حدد أنواع الدلالات متخذاً معايير لفظية لغوية ومعايير عقلية منطقية، مستنداً في ذلك على قصد المتكلم من خطابه، وطبيعة السياق اللغوي،
فقد قسّم الدلالة إلى قسمين كبيرين لهما دلالة المنظوم ودلالة غير المنظوم.
أما دلالة غير المنظوم فقال:هي" ما دلالته لا بصريح صيغته ووضعه"[SUP](
[SUP][5][/SUP][/SUP]) وتشمل دلالة الاقتضاء، ودلالة الإشارة، ودلالة الإيماء، ودلالة المفهوم.
النوع الأول دلالة الاقتضاء وهي ما كان المدلول فيه مضمرا [فيجب تقديره] إما لضرورة صدق المتكلم وإما لصحة وقوع الملفوظ به
فمثال الأول: قوله صلى الله عليه و سلم "رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه"
فإن رفع الخطإ مع تحققه ممتنع فلا بد من إضمار نفي حكم يمكن نفيه كنفي المؤاخذة والعقاب
وإما إن كان لصحة الملفوظ به فإما أن تتوقف صحته عليه عقلا أو شرعا
فالأول كقوله تعالى { واسأل القرية } ( 12 ) يوسف 82 ) فإنه لا بد من إضمار أهل القرية لصحة الملفوظ به عقلا
والثاني –و هو ما تتوقف صحة الكلام عليه شرعا- فكقوله تعالى : {فمن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر } [البقرة184]، فهاهنا محذوف يجب تقديره حتى يصح الكلام شرعا، وهو عبارة (فأفطر)، للاتفاق على أن من كان مريضاً أو على سفر ولم يفطر فلا قضاء عليه.
النوع الثاني دلالة التنبيه والإيماء وهي: أن يقترن بالحكم وصف لو لم يكن هذا الوصف تعليلاً لهذا الحكم لكان ذكره حشوًا في الكلام لا فائدة منه وذلك ما تنزه عنه ألفاظ الشارع، وذلك كقوله تعالى: { إِنَّ الأبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ } [الأنفطار: 13، المطففين: 22]؛ أي: لبرهم(3).
وعرفه الآمدي بقوله وذلك بأن يكون التعليل لازما من مدلول اللفظ وضعا لا أن يكون اللفظ دالا بوضعه على التعليل[SUP](
[SUP][6][/SUP][/SUP])
النوع الثالث دلالة الإشارة وذلك كدلالة مجموع قوله تعالى { وحمله وفصاله ثلاثون شهرا } ( 46 ) الأحقاف 15 ) وقوله تعالى { وفصاله في عامين } ( 31 ) لقمان 14 ) على أن أقل مدةالحمل ستة أشهر وإن لم يكن ذلك مقصودا من اللفظ
النوع الرابع المفهوم: فالمفهوم مقابل للمنطوق والمنطوق أصل للمفهوم
فالمنطوق ما فهم من دلالة اللفظ قطعا في محل النطق كدلالة منطوق قوله تعالى { ولا تقل لهما أف } ( 17 ) الإسراء 23 ) على تحريم التأفيف للوالدين
وأما المفهوم فهو ما فهم من اللفظ في غير محل النطق وهوعلى نوعين:
مفهوم الموافقة و مفهوم المخالفة
أما مفهوم الموافقة فما يكون مدلول اللفظ في محل السكوت موافقا لمدلوله في محل النطق ويسمى أيضا فحوى الخطاب ومثاله تحريم شتم الوالدين وضربهما من دلالة قوله تعالى { ولا تقل لهما أف } ( 17 ) الإسراء 23 ) فإن الحكم المفهوم من اللفظ في محل السكوت موافق للحكم المفهوم في محل النطق[SUP](
[SUP][7][/SUP][/SUP])
وأما مفهوم المخالفة فهو ما يكون مدلول اللفظ في محل السكوت مخالفا لمدلوله في محل النطق ويسمى دليل الخطاب
وهو عند القائلين به منقسم إلى عدة أصناف متفاوتة في القوة والضعف منها
الصنف الأول منها ذكر الاسم العام مقترنا بصفة خاصة كقوله صلى الله عليه و سلم في الغنم السائمة زكاة
الصنف الثاني مفهوم الشرط والجزاء كقوله تعالى { وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن } ( 65 ) الطلاق 6 )
الصنف الثالث مفهوم الغاية كقوله تعالى { وَكُلُواْ وَاشْرَبُواْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ
الصنف الرابع مفهوم إنما كقوله صلى الله عليه و سلم إنما الأعمال بالنيات"، " وإنما الربا في النسيئة"
الصنف الخامس مفهوم الاستثناء كقوله تعالى { لا إله إلا الله } ( 37 ) الصافات 35 ) وقول القائل ( لا عالم في البلد إلا زيد )[SUP] (
[SUP][8][/SUP][/SUP])