مقال : المغرب الأقصى وأوضاعه العامة

التواتي محمد

طاقم الإدارة
مشــــرف عــــام
المشاركات
818
مستوى التفاعل
49
النقاط
28


مقال : المغرب الأقصى وأوضاعه العامة

تعتبر الدولة المغربية الحديثة من الدول التي لم تخضع للدولة العثمانية, إذ تعاقبت عليه عدة إمارات ودول متطورة وهي الوطاسية و السعدية و العلوية التي انتهى بها الاستعمار لفترة زمنية معينة .
و تميزت الفترة الممتدة (915-1318ه)-(1519-1900)بعدة أحداث تاريخية غيرت مجرى تاريخ المغرب الأقصى بحيث قامت الدولة السعدية وبعدها الدولة العلوية اللتان حاولتا أن تضاهيا الإمبراطورية العثمانية في قوتنا ونفوذها.

الموقع الجغرافي للمغرب الأقصى
يطلق لفظ المغرب في عرف أهله على ناحية من الأرض معروفة بعينها يحدها من الغرب المحيط الأطلسي ومن الشرق بلاد برقة وما خلفها إلى الإسكندرية ومصر, ويحدها من الشمال البحر الأبيض المتوسط ومن الجنوب جبال الرمل بين بلاد البربر وبلاد السودان. ويشير المراكشي لحدوده يقول:" من ضفة النيل بالإسكندرية التي تلي بلاد المغرب إلى آخر بلاد المغرب وحده مدينة سلا ".
والمغرب بهذه الحدود ينقسم إلى ثلاث ممالك هي: مملكة افريقية وهي المغرب الأدنى وقاعدتها في صدر الإسلام مدينة القيروان, وسمي بالأدنى لقربه من مركز الخلافة في الحجاز, ومملكة المغرب الأوسط وعاصمتها تلمسان وتليها مملكة المغرب الأقصى.
وابتداء من القرن الرابع الهجري العاشر الميلادي تبلور مفهوم المغرب جغرافيا وسياسيا وظهر مصطلح المغرب الأقصى, ويشمل الإقليم الواقع في الشمال الغربي للقارة الإفريقية والذي يحده من الشمال البحر الأبيض المتوسط ومن الجنوب جبال درنة ومن جهة الشرق وادي مروية مع جبال تازا أما من جهة الغرب يحده المحيط الأطلسي.
والحدود بالنسبة لبلاد المغرب الأقصى مع جاراتها ليست حدوداً واضحة خاصة في فترة (915-1318)ه (1509 -1900)م مما جعلها محل نزاع وعدم استقرار, لذلك كانت كثيرا ما تخضع لموازن القوة, وذلك إلى غاية أن احتلّها الاستعمار.
ويتميز هذا البلد بموقعه الاستراتيجي لإطلاله على البحر الأبيض المتوسطة شمالا والمحيط الأطلسي غربا .
ويتميز بلاد المغرب الأقصى بمعالم تضاريسية شاهقة حيث يصل ارتفاع بعض قمم جبال أطلس الكبرى إلى حوالي 13 ألف قدم وإلى أكثر من ذلك, كجبل توبكال التي تعتبر أعلى قمة جبلية في شمال إفريقيا .
ونُمَيّزُ في هذا البلد سلسلتان جبليتان:
1- جبال الريف في الشمال: وهي متوسطة الارتفاع وتنتمي إلى مرتفعات بني سناس في الشرق من نهر مولودية وتسيير بمحاذاة شاطئ البحر الأبيض المتوسط.
2- جبال الأطلس في الجنوب: ينفصل عن السلسلة الشمالية في الشرق بواسطة ممر تازا الضيق وهي أكثر تعقيدا من الأولى, إذ تتكون من ثلاث سلاسل فرعية يمكن تمييزها حسب الارتفاع, وهي أطلس الكبرى التي تتجه سويا مع أطلس الوسطى باتجاه الشمال خلف الوادي العلى لنهر ملوية, أما السلسلة الأخيرة التي تعرف باسم أطلس الصغرى وتقع جنوب أطلس الكبرى والوسطى .
وهذا التوزيع للسلاسل الجبلية يؤثر بشكل مباشر وكبير في حياة المغرب الاقتصادية والحضارية, ويوجد في البلاد سهول خصبة متمثلة في سهل سوس والشاويا وغيرها من السهول التي تعتبر مركز للثروة في مراكش وحيث توجد معظم المدن الكبرى مثل مكناس والرباط والدار البيضاء وفاس ... وتتخلل هذه السهول عدة أنهار كنهر ملوية الذي ينبع عند التقاء الأطلس الكبير والأطلس المتوسط ويصب في البحر الأبيض المتوسط ونهر سبوا الذي ينبع من فاس ويصب في المحيط الأطلسي شمال ندين سلا, بالإضافة إلى أنهار أخرى تنبع من جبال الأطلس وتصب في جوف الصحراء .
ويغلب على المغرب الأقصى مناخ البحر الأبيض المتوسط ولكنه يختلف من منطقة إلى أخرى بسب السلاسل الجبلية والسواحل الشمالية والغربية والصحراء, بحيث نجده عند شاطئ المحيط معتدلا صيفا بارد شتاء شديد الرطوبة أما درجة الحرارة فالفرق عال بين الليل والنهار كما تكثر الأمطار إلا أنها غير منظمة. وتكثر الأمطار في الغرب في اتجاه الداخل نحو الشرق بينما تتحكم غابات السنديات والأرز المنتشرة في تلك المناطق وتأتي من الجنوب والشرق الرياح الحارة, والجو عموما حار صيفا بارد شتاء.
يتألف الشعب المغربي من عنصرين أساسيين هم البربر والعرب, ويعتبر البربر العنصر الأصلي للسكان منذ القدم و يكونون الأغلبية المطلقة من الشرق إلى الغرب ومن الشمال إلى الجنوب . أما بالنسبة للعرب فقد وصلوا إلى المغرب الأقصى مع حركة الفتح الإسلامي واستقرّ أغلبهم في المراكز الحضارية أو في ضواحي المدن.
إلى جانب العنصرين الأساسيين في التركيبة الاجتماعية للمغرب هناك العناصر الأوروبية وكذا الزنوج الذين يمثلون فئة قليلة والسود الذين يطلق عليهم الأهالي اسم الحراثيون, بالإضافة إلى وجود العناصر اليهودية الذين ترجع أصولهم إلى يهود اسبانيا الذين طردوا من هناك عقب هزيمة العرب المسلمين في الأندلس.


 

التواتي محمد

طاقم الإدارة
مشــــرف عــــام
المشاركات
818
مستوى التفاعل
49
النقاط
28
الأوضاع العامة للمغرب الأقصى خلال(915 - 1318هـ) (1509-1900م)
شهد المغرب الأقصى في نهاية القرن الثالث عشر ميلادي تحرشا سياسيا إذ تكالبت القرى الخارجية الإسبانية والبرتغالية على احتلال جميع الموانئ والمدن الساحلية المطلة على البحر المتوسط والمحيط الأطلسي, ولم يبق في أيدي المغاربة سوى ميناء سلا والرباط, ولم يعهد للكيان الوطّاسي قدرة لرد الأعداء مما أدى إلى ظهور كيانات وإمارات صغيرة مستقلة تمارس نفوذها في الإقليم الذي يخضع لها كإمارة الأسرة السعدية التي قضت على الدولة الوطّاسية نهائيا.
إن دراسة الأوضاع العامة لبلاد المغرب الأقصى في الفترة الممتدة بين(915 – 1318هـ) (1509-1900م) يستوجب علينا تقسيمها إلى فترتين متميّزتين بحكم أن هذه المدة شهدت تعاقب دولتين مختلفتين وهما الدولة السعدية والدولة العلوية.
المطلب الأول: المغرب الأقصى في العهد السعدي
تأسست الدولة السّعدية على يد أبي عبد الله الملقب بالقائم بأمر الله بعد مبايعته بالإمارة سنة 915 هـ 1509م, وبدأ بتصفية الدولة الوطّاسية التي أصبحت غير قادرة على توحيد الدولة و حاول تثبيت أركان دولته و لما توفي 923 هـ - 1517 م خلفه ابنه أبو العباس أحمد الملقب بالأعرج, ويمكن تقسيم الأوضاع السياسية للدولة السّعدية إلى ثلاث فترات تبدأ الأولى من التأسيس (915هـ - 1509م) إلى معركة وادي المخازن (986هـ - 1578م). ثم تأتي الفترة الثانية التي تمثل حكم أحمد المنصور الذهبي (689 – 1112هـ/1578 – 1603م) إلى سقوط حكم البلاد الدولة السعدية.
وقد مرت الدولة السعدية في بدايتها بوضع سياسي داخليا متزامنا يتمثل في وجود صراعات بين الأخوين محمد الشيخ وأحمد الأعرج ابنا القائم بأمر الله اللذَيْنِ أسست الدولة على جهودهما ونشاطهما مستعملين في ذلك أسلوب الجهاد ‘إلى حد كبير في نجاح الدولة. وقبل ذلك كان هناك صراع بين الأسرة السعدية والأسرة الوطّاسية منذ استيلاء السّعديين على مراكش, وتصادم الطرفين في محطات عِدّة مثل آنماي سنة (934 هـ ـ 1528م) وبوعقبة سنة (943 هـ ـ 1554م) وانهزم فيها الوطّاسيين وبذلك استولى محمد الشيخ على فاس في شوال 961 هـ الموافق لـ 22 سبتمبر 1554 بعد القضاء على أخيه, وبذلك حكم البلاد حكما مركزيا.
لقد عرفت فترة أحمد المنصور (689 – 1112هـ/1578 – 1603م) استقرارًا في مختلف المجالات, وأوّلها المجال السياسي الذي انعكس على المجالات الأخرى.
إلاّ أنه بعد وفاته عام (1012هـ ـ 1603 م) تغيرت الأوضاع و الأحوال في البلاد واعتُبِر ذلك بداية انهزام وسقوط الدولة السّعدية, إذ بعد وفاة المنصور ظهرت الأزمات السياسية التي أدّت بها إلى الضعف وانقسام البِلاد إلى دويلات بعد تنازُع أبناء المنصور على العرش, مما أدى إلى تدخُّل الدول الأجنبية وظهور أسرة جديدة تقوم بتوحيد البلاد وتصُدّ الأعداء خاصة الإسبانية والبرتغالية.
تميّزت الأوضاع الاقتصادية للمغرب الأقصى في العهد السّعدي على العموم كانت مزدهرة و متطورة. بحيث شهد البلاد نشاطاً اقتصادياً واسعاً في مختلف ركائز الاقتصاد الزراعية والصناعية والتجارية, وبدأ الانتعاش الاقتصادي خاصة في عهد المنصور الذهبي الذي كان يتسم بالاستقرار السياسي, إذ قام المنصور بمشاريع اقتصادية أشهرها معاصر السكر بمراكش والتي كان إنتاجها يصدر إلى إيطاليا وغيرها من الدول. كما ازدهرت الطرق التجارية خاصة بعد احتلال الطرق الجنوبية خاصة المراكز التجارية الهمة مثل توات وبلاد السودان الغربي الذي عاد بالنفع على المغرب الأقصى و ذلك بمنتوجاته وموارده الاقتصادية.
أما الزراعة في هذه الفترة فكانت نشيطة ومتنوعة المحاصيل خاصة في فاس و نواحي مراكش و التي كانت تصدر منها بلاد السودان وأوربا وكثرت بذلك أيضا تربية المواشي والإبل .....
في حين أخذت الصناعة بعداً جديداً لم تشهده البلاد من قبل, خاصة وأن السلاطين السعديين قد ابدوا اهتماما كبيرا لهذا الجانب خاصة المنصورة الذهبي الذي اهتم بالجانب الدفاعي الحرية والعسكرية وأنشأ بذلك مصانع لصناعة الأسلحة. هذا بالإضافة إلى وجود صناعات تقليدية مثل الملابس والمنسوجات والصوف ...
وأدى الازدهار الزراعي والصناعي في المغرب الأقصى إلى قيام حركة تجارية واسعة مع عدد كبير من البلدان والدول فكانت العلاقات التجارية نشيطة بشكل كبير مع الدول الأوربية خاصة على الموانئ حيث كانت تصدر الفائض الإنتاجي مثل المواشي, الأغنام, السكر, , التمور, اللوز, التين, الجوز, ملح البارود, الذهب, والنحاس...مقابل استيراد الأسلحة. أما بالنسبة للطرق التجارية الصحراوية فهي أيضا كانت نشيطة ومزدهرة خاصة إلى بلاد السودان التي كانت موردا أساسيا للمغرب.
وهذه الأوضاع الاقتصادية تأثر بالطبع بشكل مباشر على الجوانب الاجتماعية والثقافية مادامت أنها كانت مزدهرة ومتطورة .
ولما أدرك السّعديون خطر التدخل الأجنبي وظهور الأزمات في الدول قاموا بإنشاء, تكوين الجيش للدفاع عن الدولة من الأخطار الخارجية وحتى الداخلية من بعض القبائل .
وفي عهد المنصور الذي اهتمّ بتنظيم الجيش المغربي وإعداده أحسن إعداد من أجل توسيع سلطانه وجمع الضرائب من المناطق الخاضعة له.
وكان للمنصور جيشان: جيش الحرس الملكي ومهمته السهر على سلامة السلطان والجيش المحارب وهو الذي يعهد إليه بمهمة القتال, ولكن بعد وفاة المنصور وتفكك الدولة وانقسامها إلى عدة إمارات وأصبح الجيش لا يقوم بمهامه للحفاظ على الدولة والدفاع عنها من الأخطار الخارجية.
 

التواتي محمد

طاقم الإدارة
مشــــرف عــــام
المشاركات
818
مستوى التفاعل
49
النقاط
28
المغرب الأقصى في العهد العلوي
خلال السنة الأخيرة من حكم السعديين ظهرت قوة سياسية جديدة في المناطق الصحراوية من البلاد, وتمثلت في الأسرة العلوية التي تمكنت في (1150هـ - 1146م) من إقامة دولتها على يد مؤسسها مولاي الشريف محمد الأول, فأعادت هذه الأسرة القوة والنفوذ إلى البلاد, بعد أن ضَعُفت منذ وفاة المنصور إلى أن سقطت الأسرة السّعدية بالكامل. وقد نجح مولاي إسماعيل (1083- 1140)هـ (1672 -1727)م في توحيد البلاد وإنشاء جيش نظامي قوي للدفاع عن الدولة ضدّ الثورات من جهة والقضاء على تمرّد القبائل من جهة أخرى, ورفع مكانة مراكش بتحريره للثّغور التي سيطرت عليها الأيادي الأوروبية, مما جعل المؤرّخون يضعونه ضمن أعظم سلاطين المغرب الأقصى.
ويعتبر عصر السلطة مولاي إسماعيل الذي حكم 57 سنة تقريبا أزهى عصور الدولة العلوية, إذ أسس الدولة وضبط الأمن في جميع أقاليمها ولم يرحل عن الحكم حتى توفي عام (1140هـ - 1727م), وترك دولة قوية قابلة للاستمرار.
من وفاة السلطان إسماعيل إلى ولاية حفيده السلطان محمد بن عبد الله سنة (1171هـ - 1758م), تغيرت الدولة في 31 سنة تغيراً كبيراً ومفاجئاً من الاستقرار والأمن إلى الفوضى وسلطة العبيد. وقد ولّى في هذه الفترة القصيرة أحمد (الذهبي) ثم عبد المالك ثم عبد الله ثم علي الأعرج ثم محمد (بن عربية), ثم المستضيء ثم زين العابدين. ولم تكن لهم جميعاً أيّة مبادرة جديدة ولا توفيق سياسي لإقامة الدولة واستعادة سلطان أبيهم, إلى أن جاء السلطان مولاي سليمان الذي قام بعزل البلاد بهدف تجنب أطماع الدول الاستعمارية وسعى إلى تحسين تجارة القوافل بالسيطرة على طرقها وذلك بإعادة الوجود المخزني في المناطق الصحراوية.
ومنع الرعية من التعامل مع التجار الأوربيين مما أدى إلى تأزم الأوضاع الاقتصادية بسبب عدة أزمات مثل أزمة الجراد في (1810 ـ 1816م), وانتشار الأوبئة والأمراض مثل مرض الطاعون بين 1799 -1800 الذي كبد خسارة في الأرواح البشرية خاصة الصناع وكذا الفلاحين مما أدى إلى ارتفاع سلع المصنوعات بشكل كبير واستمر هذا المرض إلى 1818, وفي عام 1824 وصل إلى الحكم مولاي عبد الرحمان الذي شهد عهده المد الاستعماري في القارة الإفريقية وفي عهده احتلت فرنسا الجزائر 1830, وفي (1290هـ - 1873) وصل إلى العرش المغربي السلطان الحسن الأول الذي شهد عصره الاحتلال الفرنسي لإقليم توات (1318هـ - 1900م).
 

التواتي محمد

طاقم الإدارة
مشــــرف عــــام
المشاركات
818
مستوى التفاعل
49
النقاط
28
و خلاصة القول فإن المغرب الأقصى الواقع في الشمال الغربي للقارة الإفريقية له عدة مميزات جغرافية و تاريخية هامة, وإذ كانت أوضاعه العامة خلال (915-1318ه)-(1519-1900) تميزت بنوع من التذبذ و عدم الاستقرار سياسيا إذا تعاقبت دولتين السعدية التي قضت على الوطاسية و العلوية التي قضت بدورها على الدولة السعدية نهائيا, و كان الجانب الاجتماعي والاقتصادي في استقرار بشكل نسبي, بنسب تأثر الوضع السياسي على هذه الجوانب, بشكل أو بآخر وسواء ايجابيا أوسلبيا.
 
أعلى