تقييد ما اشتمل عليه إقليم توات من الأيالة السعيدة

فاطمة توات

عضو نشيط
المشاركات
64
مستوى التفاعل
17
النقاط
0

العمارة الإسلامية في أقاليم توات تاريخها ، ونمط أشكالها ، هندستها ومواد بنائها ، مبادئها وأبعادها القيمية




أقاليم توات الموقع و الاختطاط



أقاليم توات الموقع و الاختطاط : بسم الله الرحمان الرحيم والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم .
تعد الأقاليم التواتية([1]) من أعرق المناطق الآهلة بالسكان في الشمال الإفريقي قاطبة ويرجع تاريخ اختطاطها على الأرجح إلى ما قبـل الإسلام([2]) حيث كانت تسمى بالصحراء القبلية ، ثم كثرت عمارتها بعد جفاف نهـر قيـر([3]) في غضـون القـرن الرابع الهجري ولا أدل عـلى ذلك مـن كثـرت الحـديـث عنه في كتـب المـؤرخين والرحـالة الـعـرب والأعاجـم على السـواء ، فـهذا ابن خلـدون([4]) (ت.808هـ) يتحدث عن الإقليم في مقدمة الباب الأول من كتابه العبر واصفا ما كان يتنعم فيه من خيرات الأرض ونعيـمها قائلا: " ........وفواكه بلاد السودان كلها من قصور صحراء المغرب مثل توات وتكدرارين ووركلان. " ([5]). ثم نراه يتحدث عنها في موضع آخر من الكتاب واصفا قصورها وعمرانها ونشاطها التجاري بقوله : "....وتسمى وطن توات، وفيه قصور متعددة تناهز المئين آخذة من الغرب إلى الشرق، وآخرها من جانب الشرق يسمى تمنطيت ، وهو بلد مستبحر في العمران ، وهو ركاب التجار المترددين من المغرب إلى بلد مالي من السودان لهذا العهد ومن بلد مالى إليه بينه "([6]) .
ورغم أن ابن خلدون لم ينزل بأرض توات في أصح الروايات إلا أن له في وصفها أمرا عجيبا نراه معه يتعرض إلى أدق التفاصيل العمرانية للإقليم ، كما جاء في حديثه عن آلية استخراج المياه العجيبة في الإقليم ، والمعروفة محليا ب (الفقارة ) . وهي سلسلة من الآبار المائية المتصلة بعضها ببعض في طريقة تصاعدية عجيبة ، وطريقة توزيعية للمياه أعجب. يقول ابن خلدون عن كل ذلك : " وفي هذه البلاد الصحراوية إلى وراء العرق غريبة في استنباط المياه الجارية لا توجد في تلول المغرب ، وذلك أن البئر تحفر عميقة بعيدة المهوى.وتطوى جوانبها إلى أن يوصل بالحفر إلى حجارة صلدة فُتحت بالمعاول والفؤس إلى أن يرق جرمها ثم تصعد الفعلة ، ويقذفون عليها زبرة من الحديد تُكسر طبقها عن الماء ، فينبعث صاعداً فيفعم البئر، ثم يجري على وجه الأرض وادياً.ويزعمون أن الماء ربما أعجل بسرعته عن كل شيء.وهذه الغريبة موجودة في قصور توات وتيكورارين وواركلا وريغ.والعالم أبو العجائب. والله الخلاق العليم " ([7]).
وقبل ابن خلدون وبعده نجد أحاديث كثيرة عن الأقاليم التواتية وعمارتها في كتب الرحالة والمؤرخين ،كابن حوقل ([8])والكرخي([9]) ،وابن بطوطة ([10]) ، وابن خلدون ([11]) ، والحسن الوزان ([12]) ، وعبد الرحمان السعدي ([13]) ، وأبي سالم العياشي ([14])والحاج بن الدين الأغواطي ([15]) بالإضافة إلى الرحالة الألماني جير هارد رولف ([16]) ، والمؤرخان الفرنسيان : مارثان ([17]) وبرنارد سافرو ([18]) و غيرهم .


والإقليم التواتي في حدوده القديمة يمتد من حدود واد الساورة إلى حدود صحراء تنزروفت حيث يعتبر الشيخ البكري أن " بينه وبين سجلماسة مسافة ثلاثة عشر يوما ... وغربا عشرين يوما لأول السودان، ومن غدامس عشرين يوما ،ومن بلاد الزاب عشرة أيام شرقا، ومن ناحية أولاد عيسى قدر أسبوع إسراعا لبلاد البيض سيدي الشيخ، وعدد قصوره في القرن الحادي عشر مائتا قصرا أوسطها بودة وتيمي وتمنطيط . " ([19]) وهو تابع في عهدنا الحالي إلى ولاية أدرار جنوب العاصمة الجزائر بنحو 1500كلم.
وبالرجوع إلى الجانب العمراني في تاريخ الإقليم التواتي نجد أن نص ابن خلدون السابق من أقدم النصوص التي تناولت بالحديث عمارة الإقليم فحديثه عن تمنطيط وعمارتها كان محل إعجاب كبير لديه ، بل إن حديثه عن تخطيط وهندسة التواتيين للفقارة كان عجيبة لم يسبق له أن اطلع عليها .
وبعد ابن خلدون جاء المؤرخ سيدي محمد بن بابا حيدة وخصص كتابا مستقلا لمدينته تمنطيط و هندستها ، وطبيعة أبنيتها قائلا : " وهي متصلة البنيان في قصور غير متباعدة السيسان بل هي متلاصقة العمران ....وحولها أصول وبساتين ماؤها فقاقير جارية ....وقد جاء الماء من الجهات الثلاث شرقا وغربا وقبلة بخلاف غيرها من البلدان ، ويقال بها ثلاثمائة وستة وستون فقارة منها ما هو جار الآن ومنها ما هو معطل ، قيل وقصور عددها كذلك ثلاثمائة وستة وستون قصرا يستضاف فيها الضيف سنة كل يوم في قصر "([20])
ومعلوم أن النمط العمراني لهذا القصر بالذات في تلك الفترة وما قبلها هو خليط في هندسته بين النمط الإسلامي والنمط الإفريقي إلا أن هذا النص التاريخي ، وما سبقه به ابن خلدون يمكن أن يقودنا إلى جملة من الاستنتاجات الأولية أهمها :
01/ انضواء مجموعة مما يعرف محليا بالقصور أو القصبات وبأسمائها الخاصة تحت مسمى جامع فنجد تمنطيط وفيها كما قال المؤرخ ثلاثمائة وستة وستين قصرا متصلة بعضها ببعض . .
02/ تقارب القصور ، وتلاصق العمران .
03/ بناء المدينة وسط مجار ثلاثة للمياه وهي ما تعرف محليا بالفقارة .
04/ إحاطة المدينة بواحات النخيل أو ما يعرف محليا بالجنة .
لقد كانت المجتمعات الإسلامية في إقليم توات -وإلى وقت قريب جدا – تسكن في تجمعات سكنية جماعية محاطة بصور خارجي ضخم ، فردي حينا ومزدوج حينا آخر . ويسمى التجمع عامة القصر أو القصبة .ويجمع على قصور .
يتشكل القصر من بناية خارجية عامة بداخلها مساكن فردية ، ويحكم القصر عامة باب خارجي كبير . كما تأتي معظم هذه القصور محاطة بخنادق دفاعية وبأبراج أربعة أو خمسة بحسب شكل القصر .
وهذه التحصينات الدفاعية في إنشاء العمارة التواتية تمتد جذورها كبقية المدن الإسلامية من فعل الرسول (ص) في المدينة المنورة وما قام به من حفر للخندق بها من الجهة الشمالية جهة الخطر حينها وقد كان بطول 1300ذراع وبعمق أربعين ذراعا([21])
وأول ما يتبادر إلى الأذهان بعد الإطلاع على هذه التصاميم هو طبيعة البيئة الصحراوية التي وجدت فيها هذه القصور والتي كانت في مجملها بيئة حربية ([22])يغزو فيها القوي على الضعيف .
وإذا توغلنا إلى داخل القصر وجدنا هناك البيوت والأزقة الضيقة بسبب مساحة القصر الإجمالية التي تتحكم فيها الظروف الاقتصادية وتحت البيوت تكون هناك دهاليز صغرى للتبريد والحفظ ، وتحت القصر إجمالا هناك الدهليز أو النفق الجامع الذي تتخذه الجماعة للتبريد في فصل الصيف الحار ، و وسط كل هذا يأتي المسجد كأهم بناية في وسط القصر . وبالقرب منه أحيانا
هناك بئر الشرب الاحتياطي.
وفي العموم تتشكل هذه البنايات العامة في هندستها من مكونات أساسية مرتبة من الخارج إلى الداخل هي :
01/ الخندق الدائر بالصور : ويملئ أحيانا بالماء لدفع العدو كما يكون أحيانا بدون ماء.
02/ القنطرة : وهي المعبر الخارجي الذي يقطع الخندق إلى مدخل القصر ، وتصنع من الخشب وجزوع النخل القوية المشدود بحبال غليظة من ألياف النخل، وتشيد القنطرة عادة أمام أبواب القصور بطريقة تتحكم فيها الجماعة في رفعها وخفضها إذ أنها تنصب فجرا للدخول والخروج وترفع بعد العصر وقبيل المغرب خوفا من الأعداء .
03/ الصور الخارجي المثقب : ويكون سميكا جدا بعرض خمسين سنتيما تقريبا وهذا لعزل الحرارة الخارجية وكسرها . كما يأتي أحيانا مزدوجا . كما توضع على شرفاته أحجار كبيرة مشدودة بحبال غليظة من ألياف النخل وتستعمل في دفع الأعداء المتسلقين الجدران
04/ أبراج المراقبة : وتكون في زوايا القصر الأربعة وهي رباعية في تصميمها ، وتكون عالية الطول فارغة الوسط ، وهذا لاستغلالها في الحراسة والمراقبة.
05/ المدخل الرئيسي : وهو باب خشبي كبير جدا يعرف محليا بفم القصر ويتخذ من جذع النخل وبعض القطع الحديدية لمسك الجذوع .كما يصنع قفله من أدوات حديدية محلية الصنع في شكل أسنان المشط ويسمى (أفكر)
06/ البيوت: وتتشكل من مدخل خشبي وغرف ثلاثة إلى أربعة زائد مطبخ وفناء عام يسمى الحوش، ويكون مفتوح الأعلى يتوسط الدار ويؤمن عنصر الإضاءة والتهوية لكل غرف البيت ، كما " يساعد على تنظيم الحرارة داخل المسكن حيث إن تجمع الهواء البارد طوال الليل يؤدي إلى توفير قدر من البرودة أثناء النهار" ([23]) ، وبفضل هذا الفناء المفتوح أيضا " اجتذب المهندس العربي الفضاء الخارجي ليكتفي به أهل الدار عن البيئة الخارجية فينعمون بنسمات الهواء أثناء الصيف وبأشعة الشمس خلال الشتاء " ([24]) ويضاف إلى هذا سقف البيت الذي يكون من مواد النخلة المطلي بمعجون الطين المحلي فوقه ليتشكل لنا ما يعرف بالسطح الذي يستغل في فصل الصيف الممتد هنا لستة أشهر تقريبا .وفي الجهة السفلية للبيت يكون بيت الخلاء .ويكون مسطح ومثقب ، وتستعمل فيه الحجارة والطوب للإستبراء بعيدا عن الماء الذي لا يتلاءم مع طبيعة البناية الطوبية . كما تغطى الفضلات فيه من حين لآخر بالتراب منعا للرائحة الكريهة ، وتسهيلا لعملية صرف الفضلات عن طريق الدواب .


ومعلوم أن العرب قبل الإسلام لم تكن تعرف بناء المراحيض في البيوت، فلما جاء الإسلام اتخذ المسلمون المراحيض في مساجدهم للطهارة أولا ثم عمموا ذلك على دورهم ثانيا .وقد استمدت هذه المراحيض حدود وضعها وشكلها في الغالب من الشريعة المحمدية بناء على ما جاء في الحديث الشريف الذي رواه أبو أيوب الأنصاري -رضي الله عنه- وقال فيه النبي (ص) (إذا أتى أحدكم الغائط فلا يستقبل القبلة، ولا يولها ظهره شرِّقوا أو غرِّبوا).([25])
ووسط ظروف بيئية صحراوية قاسية يتقاسمها فصلا الصيف والشتاء كان لزاما على المهندس التواتي أن يفكر في تلطيف الجو داخل البنايات والأزقة ، فكانت التضيق في مساحة الأزقة أحد العوامل الخارجية الأولية لفعل ذلك ،وإذا توغلنا داخل البيت وجدنا البيت هو منتوج مواد بناء محلية ملائمة لطبيعة الحر والبرد الصحراوية ، وإلى هذا أيضا جاء سقف البيت عازلا للحرارة بفعل تركيبته من الطين ومواد النخيل ، ويضاف إلى كل هذا أخيرا فناء الدار الواسع والمفتوح من جهة ثم النوافذ والفتحات داخل الجدران . وتكون الإضاءة في السقف غالباً بشكل فتحات فوقية ، أما الإضاءة الجدارية فنستعمل بكثرة الفتحات الجانبية ، وأمام كل هذا هناك الدهليز الخارجي الواسع تحت القصر والذي يجمع جميع أفراد القصر.
07/ الشوارع الرئيسية : وهي عبارة عن ممرات عامة كبرى تتقاطع داخل القصر وتربط بين مرتكزاتها الأساسية كالباب الخارجي والمسجد والبئر وغير ذلك وهذه الشوارع تخصص فقط لحركة السير والعبور ولا يسمح بالتجمع فيها إلا بالشروط التي حددها الشرع في حديث حق الطريق المعلوم.
08/ الأزقة : وهي عبارة عن عن ممرات ضيقة تربط الدور بالشوراع الرئيسية وعادة ما تكون محاطة الجانب بعتبات صغيرة في شكل مقاعد على طول الزقاق تستغلها الجماعة في الحديث والمؤانسة ، كما قد تستغلها النسوة أيضا في بعض الصناعات التقليدية الجماعية .
09/ المسجد: المسجد وهو أهم بناية في القصر ، يتخذ منبره ووجهه كما هو معلوم باتجاه القبلة .ويتخذ لنفسه هندسة خاصة عمادها الأروقة المفصولة بالأقواس ويكون عدد الأقواس تبعا لطول الأروقة أما عدد الأروقة فيكون تبعا لمساحة المسجد داخل القصر . وفي مقدمة المسجد يكون المنبر في شكل فتحة نصف دائرية في الجدار القبلي للمسجد وبقطر متر ونصف تقريبا .
10/ بئر الشرب: ويكون هذا احتياطا لأوقات الحرب التي يغلق فيها باب القصر لمدة قد تطول وقد تقصر بحسب ظروف الحرب ، ومن ثم وجب أخذ الاحتياط من المياه عن طريق هذا البئر الذي يتوسط القصر .وهذا كله في غياب الفقارة التي يكون مجراها خارج القصر .
11/ فقارة الشرب والسقي: وهي عبارة عن مجموعة من الآبار المتسلسلة والمتصلة بعضها ببعض بطريقة تصاعدية تمر بجانب القصر وتصب في البساتين وفق نظام سقي عجيب ودقيق جدا . وعددها في الإقليم قديما كان يفوق الألفي ققارة لكن العدد نزل مؤخرا إلى أقل من النصف مع انخفاض منسوب المياه عن آبارها أحيانا وموتها أحيانا أخرى . وقد تحدث عنها ابن خلدون في عبره([26])، والعياشي في رحلته ([27]).
12/ المخزن الخارجي : وهو ما تسميه الجماعة بالميشار ويكون إلى جانب البيت ويبتعد عنه أحيانا ، وهو فناء مربع الشكل في غالبه ، محاط بجدار طيني نصفه مفتوح والآخر مغطى ، وفيه تحفظ المنتوجات السنوية من التمر والزرع والقمح وشتى أنواع المدخرات .
13/ بيت الحيوانات : وهو عبارة عن بناية صغيرة على جانب البيت تتشكل من فسحتين أساسيتين الأولى مغطاة والثانية بدون غطاء ، وتُتّخذ مأوى للحيوانات الأليفة التي تعيش مع الإنسان الصحراوي ، ويعيش عليها وعلى ما توفره له من لحم وحليب و وبيض وجلد وصوف وما إلى ذلك .
وخارج البيت يوجد داخل القصر مجموعة من الأبنية المتشابهة بالإضافة إلى الأزقة والشوارع ووسط كل هذا يأتي المسجد كمركز محوري داخل القصر .
14/ النفق أو الغار: وهو نفق كبير وواسع تتعاون جماعة القصر على حفره وهندسته ، ويكون بعمق كبير وطبقة فاصلة سميكة بينه وبين أساس القصر .يستعمل الدهليز ويسمى (الفقارة )أيضا كملجئ لسكان القصر في فصل الصيف لما يوفره من برودة في الجو العام .و يُتخذ لمدخله غالبا بابان متقابلان مما يساعد في حركية الهواء ودورانه بداخله .
15/ مصلى العيد: وهو عبارة عن فضاء مفتوح وغير محدد تتخذ الجماعة لصلاة العيدين والاستماع للخطبة وهو خال من كل أشكال البناء إلا من المنبر النصف الدائري الذي يتوسطه جهة القبلة .
16/ الأسواق : وهذه لا تكون إلا في بعض المدن الكبرى كتمنطيط وغيرها لأن الإقليم كان به نشاط تجاري مميز ، حتى اعتبر حلقة الوصل الأساسية بين الأسواق في شمال مدن إفريقيا كالجزائر وتونس والمغرب وليبيا وفي جنوبها كمدن كانو وشنقيط وأروان وأقدز وغيرها . وفي ذلك يتحدث العياشي( 1090هـ) في رحلته عن سبب طول إقامته في هذا الإقليم : " وسبب إقامتنا في هذه البلاد هذه المدة أن كثيرا من الحجاج لما غلا صرف الذهب في تافلالت أخروا الصرف إلى توات ، فإن الذهب فيها أرخص ، وكذلك سعر القوت من الزرع والتمر وهذه البلدة هي مجمع القوافل الآتية من بلاد تنبكتو ومن بلاد أقدز من أطراف السودان ويوجد فيها من البضائع والسلع التي تجلب من هناك شيء كثير . " ([28])
17/ المقبرة : وهي قبور جماعية متلاصقة لا تحكمها هندسة محددة تتخذها جماعة القصر أو القصبة لدفن موتاهم ، وقد تتعدد المقابر داخل القصر أو المدينة الواحدة ، ويتخذ القبر فيها شكل بناء أرضي مرتفع بين عشر سنتمترات إلى عشرين من الأرض بالنسبة للقبور العادية وبين أربع مترات إلى خمسة بالنسبة لأضرحة العلماء والأولياء . ويكون بناء القبر بوضع حَجَرتين تتفاوتان في الطول حيث توضع الكبرى منهما على رأس الميت جهة الجنوب ، بينما توضع الصغرى عند رجلي الميت جهة الشمال ، وهذا كله انطلاقا من وجهة القبلة الشرقية .
18/ الأضرحة : هي أبنية في شكل قباب تتفاوت طُرق بنائها وهندستها من منطقة إلى أخرى. وتعتبر الأضرحة أحد أهم أنواع العمارة التي اعتنى ببنائها التواتيون تقديسا منهم لساكنيها الموتى من العلماء والأولياء. وتختلف هذه الأضرحة في تصاميمها من منطقة إلى آخرى داخل الإقليم الواحد إلا أن لها طابعا عاما يوحدها غالبا من بناء عام مقبب في شكل مربع أو دائري له مدخل صغير ، كما تتزين هذه الأضرحة أو القباب بنتوءات خارجة متصاعدة من حجارة صغيرة تساعد على الصعود إلى أعلى القبة قصد الصيانة والترميم وغيرها .
**/ أهم المواد المستعملة في بنائها :
شيدت العمارة التواتية في معظمها من الطين والحجارة أولا ثم من مادة الطين وحدها وذلك بعجنها وخلطها بالماء ثم تجفيفها تحت أشعة الشمس، كما تشيد أساسات البناية غالبا من الحجارة والطين فقط وهذا تبعا للكلفة الاقتصادية البسيطة.
ويكون سقف البيت مركبا أساسا من مواد النخلة ومشتقاتها ، فالجذوع تمتد على طول وعرض الحائط ، وبينهما يكون الكرناف وألياف النخلة لسد الفراغات ، تم يمسك كل ذلك بطبقة سميكة من الطين لمنع تسرب المياه وفي الأعلى يحاط السطح بجدار على امتداده لتوفير عنصر الستر بين الجيران في فصل الصيف ، وقد يحتاج البناء لوضع طابق أعلى فوق الطابق الأرضي وقبل السطح. أما الأبواب في الأبنية التواتية فإنها تصنع من جذوع النخيل المتوفرة محليا بعد أن تتم زخرفتها ومسكها بعضها ببعض
ولولا ما وفرته هذه الأدوات المحلية المستعملة في تشييد العمارة الإسلامية في توات ، لما استطاعت هذه الأبنية أن تجد لنفسها قوة ومناعة تقاوم بهم عوامل الطبيعة القاسية لقرون عديدة ، والغريب هنا أن كثيرا من الأبنية المبنية حديثا أصبحت فريسة سهلة لظروف الطبيعة من رياح وأمطار أمام مرأى ومسمع من هذه الأبنية التليدة . بل إن ما صمد من هذه الأبنية الحديثة وفلت من قبضة الزمن فإن لصاحبه مع البرد شتاء والحرارة صيفا قصص أخرى كلمة الفصل فيها أولا وأخيرا للآلة بدل الطبيعة .
**/ خصائص العمارة الإسلامية في هذا الإقليم :
01/ بناء القصر فوق هضبة مرتفعة بهدف الإستطلاع والكشف
02/ تموقع البيوت والدور في بناء جامع داخل صور محاط بخندق وبأبراج في كل أركانه وهو الذي تسميه الجماعة بالقصر أو القصبة . .
03/ تخصيص غرف داخل البيوت للضيوف وتكون منفصلة في الغالب عن البيت الرئيسي.
04/ تلاصق الدور والأزقة وهو ما ساعد في ربط أواصر المحبة والألفة بين أبناء القصر
05/ اتخاذ المسجد وسط القصر كنقطة ارتكاز رئيسية وأساسية لكل بناء ومن حوله بقية الدور .
06/ خلو العمارة التواتية من الزخرفة وكافة الأشكال الهندسية إلا نادرا وفي بعض المساجد .
07/ انسجام الأبنية بعضها البعض من وجهة الإرتفاع تحديدا ، وهو ما نبه إليه الشرع في ضرورة احترام حرمة الجار .
08/ خلو هذه البنايات من الحدائق الداخلية وهذا لوجود مساحات كبرى خارجية تعرف بالجنة .
09/ اعتمادها على الدهاليز والأنفاق للتخزين ولكسر حرارة الصيف.
10/ الحرص على حق الطريق ونظافتها .
***/ الأبعاد الروحية والجوانب الأخلاقية والاجتماعية في تصميم العمارة التواتية :
لقد شكلت العمارة الإسلامية في توات لنفسها طابعا إقليميا مميزا ناتج عن بروز جملة من المؤثرات الدينية و البيئية والاجتماعية المحلية التي تتحكم فيها وإلى أبعد حد العادات والتقاليد والبيئة والمناخ وما إلى ذلك .ولعل أهم ما نلاحظه على هذه العمارة أنها جاءت في هندستها وتخطيطها مراعية لمبادئ الشريعة الإسلامية الداعية إلى :
01/ الفصل بين مجمع النساء ومجمع الرجال . وهو ما نجده مجسدا في تقسيم البيوتات إلى واجهتين وبابين تقريبا باب مخصص للنساء وآخر مخصص للرجال .
02/ الدعوة إلى إكرام الضيف . ولهذا رأت العمارة الإسلامية ضرورة تخصيص حجرة مستقلة في واجهة البيت . وأحيانا تكون بجميع مرافقها كما أن بابها غالبا يكون دون قفل تسهيلا لعملية دخول وخروج الضيف .
03/ الفصل بين الأبناء الذكور والإناث في المضاجع ولهذا جاءت هذه البنايات في غرف متعددة بين الثلاثة والأربعة غرف غالبا .(غرفة الضيوف ،غرفة الوالدين ، غرفة الأبناء الذكور ، غرفة الأبناء الإناث . وفي البيت الثلاثي تكون غرفة الضيوف هي نفسها غرفة الأولاد .
04/ أخذت العمارة الإسلامية التواتية هندستها الإجمالية من مشروع بناء الرسول (ص) وتخطيطه للمدينة المنورة وبعض المدن الإسلامية الأخرى وهذا ما نجده يتجلى في :
*/ بناء المسجد كمرتكز أساسي
*/ بناء الحصون والخنادق أسوة بفعل الرسول (ص) في بناء المدينة ([29])
*/ بناء الشوارع الرئيسية الكبرى ، وإلى جانبها الأزقة والدروب : أسوة بما أمر به الرسول (ص) سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه في الكوفة والبصرة حيث أمره أن تكون الشوارع الرئيسية 60ذراع وما سواها 30ذراعا والأزقة سبعة أذرع(07أذرع).([30])
*/ مراعاة حرمة الجار في ارتفاع الأبنية بعضها عن بعض كما نص على ذلك الشرع .
**/ الخاتمة : لقد كان لدخول الإسلام إلى الإقليم التواتي بداية من القرن الثاني الهجري الأثر البارز على هندسة العمارة التواتية ، وتحت قبته انصهرت جميع الأشكال والتصاميم الأخرى من عمارة يهودية ، أو بربرية أو إفريقية وما إلى ذلك ورغم أنه لا يوجد تاريخ محدد لبداية ظهور العمارة الإسلامية في توات إلا أن الشيخ باي بالعالم ذكر في كتابه الرحلة العلية([31]) أنه يوجد في قصر أولف مسجد شُيد سنة 164هـ وأعمدته لم تجدد إلا في سنة 1402هـ .
وفي الأخير وفي ظل غياب شبه كلي للدراسات المتخصصة حول تاريخ ونشأة العمارة الإسلامية في أقاليم توات فإننا نسجل عموما عليها بأنها بنايات تقليدية ليست من تصميم مهندس معماري واحد " فهذه البيئة أنشئت خلال قرون من التجارب المستمرة عن طريق المستخدمين أنفسهم " ([32]) ،كما أنها امتازت في عمومها بالبساطة في بنائها وتزيينها.كما يسجل عليها أيضا
أنها لم تعد بفعل عوامل الزمن المتغيرة تستقطب ساكنيها الأوائل ناهيك عن السكان الحالين فكانت الهجرة منها جماعيا وبنيت على أطرافها مدن جديدة بمميزات وخصائص مزيجة وهجينة أحيانا .
 

فاطمة توات

عضو نشيط
المشاركات
64
مستوى التفاعل
17
النقاط
0
المصادر والمراجع :
المخطوطة :
01/ محمد بن عبد الكريم البكري . درة الأقلام في أخبار المغرب بعد الإسلام . خزانة سيدي أحمد ديدي قصر تمنطيط . ولاية أدرار .
02/ البكري بن عبد الكريم .الدرة البهية في الشجرة البكرية .. خزانة سيدي أحمد ديدي قصر تمنطيط . ولاية أدرار .

المطبوعة :
03/ أحمد العماري .توات في مشروع التوسع الفرنسي من حوالي 1850 إلى 1902، ذ ، ط1 ، 1988م.
04/ الإصطخري إبراهيم محمد الفارسي .المسالك والممالك .تحقيق الدكتور محمد صابر عبد العالي .1961 مصر
05/ بابا حيدة .القول البسيط في أخبار تمنطيط تحقيق فرج محمود فرج .ديوان المطبوعات الجامعية الجزائر 1977م
06/ البخاري .صحيح البخاري ، شركة الشهاب الجزائر 1990م.
07/ برنارد سافرو .التسلسل الزمني لأحداث توات (معالم عن التاريخ) ، مركز البحث العلمي غرداية
08/ ابن بطوطة .تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار .. دار صادر بيروت.
09/ التومي سعيدان .سكان تدكيلت القدماء والاتكال على النفس .. ط01/2005.دار
10/ الحسن الوزان . وصف إفريقيا.ترجمة محمد حجي ومحمد الأخضر .1983 دار الغرب الإسلامي .لبنان ..
11/ ابن حوقل .صورة الأرض طبعة بريل .ليدن 1938.
12/ عبد الرحمن السعدي .تاريخ السودان ،. طبعة هوداس 1964م.
13/ عبد العزيز بن عبد الله .الموسوعة المغربية للأعلام البشرية والحضارية ، ، المغرب 1976م.
14/ ابن خلدون . العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم مـن ذوي السلطـان الأكبر.دار الكتاب اللبناني 1983م بيروت لبنان.
15/ أبو سالم العياشي. مـاء الموائد (الرحلة العياشية). تحقيق محمد حاجي ، ط2 ، 1397هـ/1977م ، مطبوعات دار المغرب للتأليف والنشر.
16/ فرج محمود فرج .إقليم توات خلال القرنين الثامن والتاسع عشر الميلاديين د: المطبوعات الجامعية الجزائر 1977م.
17/ أبو القاسم سعد الله . تاريخ الجزائر الثقافي من القرن العاشر إلى القرن الرابع عشر الهجـري ، ، ط2 ، المؤسسة الوطنية للكتاب ، 1985م الجزائر.
18/ كعت محمود كعت.تاريخ الفتاش في أخبار البلدان والجيوش : بن الحاج . طبعة هوداس 1964م.
19/ محمد باي بلعالم .الرحلة العلية إلى منطقة توات لذكر بعض الأعلام والآثار والمخطوطات والعادات وما يربط توات من الجهات .ج1و2. .ط1.2005 دار هومة الجزائر .
20/ المطبعة الملكية المغرب الرباط. تقييد ما اشتمل عليه إقليم توات من الأيالة السعيدة من القصور ووثائق أخرى ، 1381 هـ / 1962م ،

الأبحاث والمحاضرات :
21/ أحمد الصاوي : المنزل العربي كيف كان
22/ كمال جلوقة : العمارة التقليدية والتوافق مع البئة .ندوة العمارة الخضراء القاهرة 1991م
23/ محمد باي بلعالم .التعريف بمنطقة توات . مكتبة جمعية الأبحاث والدراسات التاريخية أدرار.
24/ ابن يوسف ابراهيم .مدخل لدراسة المدينة الإسلامية .مجلة المدينة العربية العدد 49/ص 16. وما بعدها )



المقال للدكتور أحـمـد جعفري

الجامعة الإفريقية ولاية أدرار.

شارك به الباحث في فعاليات المؤتمر الدولي " العمارة الإسلامية " المنعقد بجامعة الشارقة/ الأمارات العربية أيام :08/09/10 أبريل 2008
و البحث نشر بمجلة" ترات " الصادرة عن نادي تراث الإمارات أبوظبي الإمارات العربية المتحدة . العدد 115 مارس 2009.



للا مــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــانة منقول
 
أعلى