- المشاركات
- 4,550
- الحلول
- 1
- مستوى التفاعل
- 1,120
- النقاط
- 113
شعر أديب كمال الدين:
في منظور النقد السيميائي
أ.د. فاضل عبود التميمي
جامعة ديالى: العراق
المدخل:
حين اختار د.عبد القادر فيدوح المنهج السيميائي في تأليف كتابه الجديد
أيقونة الحرف وتأويل العبارة الصوفيّة في شعر أديب كمال الدين)( ) أذن لنفسه أن يكشف عن إجابات سؤالات كانت تختمر في ذهنه تتعلّق في خصوصيّة التجربة التي كان الشاعر أديب كمال الدين يبدع من خلالها الشعر، في ممارسة همّها الاكتشاف، والكشف بعيدا عن (سلطة) الشاعر الذي أخذه الحرف في دروب المعرفة، ومتاهات الفن، ومجالس المتصوّفة، ودهاليز الحكمة التي يرتّق فيها جروحه التي ما إن يندمل منها جرج حتى تنبثق جروحٌ أخر في متوالية رياضيّة يصعب الإمساك بنتائجها.
لقد وجدتُ نفسي- بوصفي قارئا معنيّا بالشعر ونقده- وأنا أحاول قراءة هذا الكتاب وقد توزّعت بين عالمين كبيرين: عالم الشاعر( ) الذي شغلني منذ زمن ليس بالقليل، وهو يرتقي شجرة الحروف بسلّم الشعر الذي ورثه عن عائلة أعرف كم كانت منحازة إلى الفكر، والكلمة، وجوهر الأدب، وعالم الناقد الذي ارتقى شجرة الكلمة بسلّم النقد الذي أخذه استعدادا، وافتتانا ،وتعلّما لأنْ يكون فكان، وقد سوّلت لي نفسيَ الادعاء أنّ لي صلة قديمة، ومعرفة عميقة بما كتب قبل سنوات بعيدة ،وإن لم ألتقه وجها لوجه فقد التقيته كثيرا على صفحات ما كتب.
إنّ التوزّع بين خطابي الشاعر، والناقد جعلني أعيش تجربتين مختلفتين تجربة الشاعر الذي يقول و يمضى سالكا دربه الذي لا يصلح إلا له، وتجربة الناقد الذي يحثّ خطاه سالكا الدرب نفسه ولكن من مقترب آخر يتقصى فيه أقوال الشاعر ليقيم عند تخومها بقصد تفكيك أواصر لحمتها، وسداها بحثا عن جوهر الرؤية فيها، أو جوهر الخطاب، أو جوهر الرؤيا، أو جوهر حبّة الحياة تلك التي يعيش من أجلها الشاعر مهموما و هائما.
والحق أن توزعي بين الخطابين جعلني أعيش تجربة ثالثة أسلك من خلالها الدرب نفسه الذي سلكه صاحباي ولكن بعدّة محبّ، ورؤية قارئ، ورغبة إنسان يريد أن يجمع الخطابين في خطاب همّه الإشارة الى فاعليّة الشعر في الحياة، وفاعليّة النقد في الشعر لاسيّما السيميائي منه في شعر واحد من أهم من كتب القصيدة الحديثة في سبعينيّات القرن العشرين، ولمّا يزل ضمن جيل عراقيّ وُلد وفي فمه بيت شعر.
اذا كانت(السيميائية) في أدقّ مفاهيمها وأيسرها
علم موضوعه العلامة ومنهجه التحليل)( )،فإنّ المنهج السيميائي قراءة منظّمة هدفها الوصول الى تلك العلامة، والوقوف عند عتباتها بقصد الكشف عن طاقاتها الكامنة ، ومخزونها الفاعل في المتون الأدبيّة، وغيرها من خلال الاحتكام إلى التعالق بين الدوال و المداليل، وعندي أنّ شعر أديب كمال الدين يكاد يجهر بمحموله الإشاري: العلامي في مستواه الصوتي الدال، وفي مستوى حركته المتّجهة دائما نحو الأعماق، أعني حركة إشارات المعنى التي ابتلى بها الشاعر منذ اليوم الذي أيقن فيه أنّه صار شاعرا بمباركة من الحرف ،وجماليّات الكلمة، وصار بحكم المسؤوليّة يشعر بما لا يشعر به غيره من الصنعة اللطيفة في نظم الكلام، ذلك أنّ الشاعر يفطن لما لا يفطن إليه غيره، وإذا قَدِرَ على صنعة الشعر كان على ما دونه أقدر، بهذه الرؤية التي ابتكرها الباقلاني (403هـ)( ) قبل ألف سنة أرى (أديبا) وهو يشعر بما لا يشعر به غيره من الناس، فينهمر الشعور صنعة جميلة وكلاما منظّما.
قُدّر لي أن اقف عند خطاب الشاعر، أي أن أقف عند إشاراته ،وهو يختزل من خلالها اللغة، ومواقف الوعي، وأن أقف عند خصيصة استنطاقه المكبوت من أطلس الحياة، فأشعاره كلّها ناطقة بالإشارات المحيلة على المعاني الثواني البعيدة في سلسلة التلقي العتيد حتى الجمادات، والمعاني العقليّة في شعره تنطق بقوة المجاز، ودلالة التشكيل المركب بما هو استثنائي فاعل في النمط المتعالي على اللغة الحقيقيّة ،ولهذا صارت تهويمات الشاعر، ومرموزاته ،وإشاراته ،واستعاراته ،وكناياته ، وإحالاته ،ونجاحاته ،وإخفاقاته (تقترف) الانتماء إلى حقل التحسس العلاماتي، وكذلك ألفاظه ، وعواطفه، وانفعالاته، وإشكالات وجوده التي تفصح عن سيمياء لم يتعمدها الشاعر، وإنّما جاءت عفو الخاطر بفعل عوامل التخيّل، والإبداع التي يصعب الإمساك بها، أو توجيه مساراتها.
إنّ كثرة رموز الشاعر بما تحمل من ايحاءات جعلت الناقد ينساق وراء تشكيلاتها لغرض الكشف، والاكتشاف، ومن ثمّ الإحالة على تعالق دوالها بمداليلها سواء أكان ذلك بالتحليل، أو التأويل، أو استنطاق الراكس في العمق حتى تساؤلات الشاعر الكثيرة التي تركها بلا إجابات كانت، ولمّا تزل تدعو الناقد لأن يجيب عنها بما يمتلك من وسائل كشف تقرأ الأساليب لتعلي من شان سياقاتها.
لقد وُفّق الناقد وهو يقترب من شعر الشاعر وفي عقله تنبض أسئلة السيمياء في مفهومها المطلق من عقال الاختلافات المصطلحيّة، والإشكالات المعجميّة متجاوزا إرث الحراك المبني على هوامش التناحر ليدخل المتن متسلحا بقراءة الرموز، والإشارات، والدلالات التي تحمل طاقات مولّدة الشعر وهو يتقدم موكب الحياة لاعنا كلّ سوء، وظلام، راصدا السلوك الشعري للعلامة وهي تنبجس دلالة وشكلا في ظهورها الناهض من بين السياقات، وغيابها المستتر خلف هضاب الروح.
وإذا كان المبحثان: الأول، والثاني قد أحالا على(المعنى) صراحة، فإنّ المبحث الثالث قد أحال ضمنا عليه في
دلائل العبارة)، و(التأويليّة)، ليأخذ هذا الجمع الدلالي المتتالي إلى تصوّر منهجيّ سيميائيّ برؤية تأويليّة ذات تعدديّة دلاليّة في ثلاثة مباحث كانت بمنزلة الفصول في الكتاب، ومقدمة يصعب تجاوزها.
بُنيت المقدمة على وفق رؤية غير تقليديّة تجاوزت الشكل الأكاديمي الذي يرتضي أن تكون المقدّمة بفقرات معروفة، تبدأ بالحديث عن العنوان ،وأهميّة الموضوع ، لتقف عند المنهج المتّبع في الكتابة مارّة على أهمّ المصادر والمراجع دون أن تنسى عنوانات الفصول والمباحث، والإشكالات التي مرّت بها خطة البحث، في مقدمة الكتاب أتاح الناقد لقارئه أن يكتشف المنهج من دون عناء، فمن الإشارات أنفسها استطاع أن يفكّك عنوان الكتاب ليهتدي إلى المنهج منطلقا من حقيقة الوظيفة الكامنة فيه ،فـ(الأيقونة) مثلا في عنوان الكتاب
أيقونة الحرف وتأويل العبارة الصوفيّة في شعر أديب كمال الدين) تتحدد بحسب علاقة تماثلها مع حقيقة العالم الخارجي( )،لتدخل في علاقة مشابهة مع واقع الشاعر، أي تاريخه الخارجي، فضلا عن أنّ لها ما يشابهها من الكتابات الشعريّة ،والنثريّة التي تمتلك موضوعا معيّنا يمكن الاستدلال عليه شعريّا بوجود نصوص قديمة دليلها المعنى الذي صار وجوده مفتاحا يحيل على واقع يمكن التعبير عنه بسبب الاختلاف في الموقف منه، و(الحرف) في العنوان بوصفه (رمزا) يشير إلى الموضوع الذي يعبّر عنه من خلال عرف يقترن بالأفكار العامّة( )، أي صورة تحيل على دال، ومدلول ذي تصوّر ذهنيّ يسمى المعنى وقد وضحت غايته، و(التأويل) في العنوان يخرج دلالة اللفظ كما يرى (ابن رشد) من الحقيقة إلى الدلالة المجازيّة من غير أن يُخل بعادة لسان العرب في التجوّز من تسمية الشيء بشبيهه، أو بسببه، أو لاحقه( )،وقد اقترن بتعدّد القراءات وحريّة المتلقي في اعتماده إيّاها، وكانت (العبارة الصوفيّة) في العنوان التي فُتن بها أديب كمال الدين منذ نعومة أظفاره الشعريّة خاتمة التشكيل العتباتي.
ويبدو لي أنّ اختيار الناقد للمنهج كان متساوقا مع لحظة اقتراح العنوان، لتتشظى فيما بعد دلالاته على متن الكتاب ليكون العنوان نفسه، كما يؤكّد الناقد جميل حمداوي مؤشّرا دالّا يسهم في تعيين النوع الأدبي، كونه مفتاحا إجرائيّا يمدّ الناقد، والقارئ بمجموعة من المعاني التي تساعد في فكّ رموز النص، وتسهيل لحظة الدخول في أغواره، وتشعّباته الوعرة، ومنهجه، وكلّ ما له صلة به( ).
وإذ أَقْدَمَ الناقدُ د. عبد القادر فيدوح على قراءة شعر أديب كمال الدين، فقد كان متيقّنا أنّه أقبل على مجازفة هدفها الكشف عن واسطة فيض الكلمة، وواسطة مَدِّ العبارة ضمن الاستعارة المطلقة في شعره، أي أنه وضع نفسه إزاء هدف الكشف عن غاية الشاعر وهو يسعى إلى تقديم معنى المعنى، وجمع المتباعد من الرؤى؛ لإبراز السياق الدلالي القائم على بنية الكلمة الشاعريّة التي تَسِمها جماليّة التوظيف، في شتى مستوياتها الصوتيّة والتركيبيّة أيضا.
لقد ايقن الناقد أنّ الشاعر يقيم عند تخوم (القصيدة السِّمة)( ) التي تجاوز بها د. فيدوح "القصيدة الصورة" بترجيحه استعمال (السِّمة) بديلا عنها، فقد وجد عن قرب أنّ السّمة فيها ما يتطابق مع لغة الشاعر التي تسمو على كل ما هو متساوق وطبيعي في العملية الإبداعيّة، أي أن الناقد عقد العزم على قراءة الشاعر سيميائيّا مدركا رحلته (الكشفيّة) في صورتها الإبداعية، وقد دبّت في الناقد روح التماهي مع المطلق، وسرى في عروقه الشعور بمسؤوليّة البحث عن يقين محور الكون، بدافع خلق عوالم ممكنة، ضمن حدود الأدب وما يقدّم من ايقاعات ضامنة لديمومة حياة الإنسان، وازدادت مسؤوليّته أكثر حين وجد في إرادة الشاعر ما دفعته إلى محاولة معرفة يقين الوجود من شتى السبل، أي أنّ الإرادتين الشعريّة والنقديّة التقتا عند حدود التفاهم الإبداعي بين ما هو حياتي موغل في وجوده الإنساني الشفيف، وما هو فنيّ يعبّر عن تطلعات الإنسان.
الإشارات السابقة مستعارة من خطاب الناقد وهي واضحة الدلالة تحيل على طبيعة المنهج المعتمد في معاينة شعر الشاعر، وقد أخَذَتْ الناقد إلى منطقة الوضوح المنهجي التي بدا من خلالها وقد تماهى فكره النقدي مع الفكر الشعري للشاعر في جماليّة سرت بهما ليلا وهما يحتطبان كلّا في غابة خاصّة بحثا عن عشبة كنز اليقين، فقد كانت هويّة الذات في رؤيا الشاعر مرقاة الناقد لاكتناه عالمه الشعري، بوصفه منتوجا يعكس صورتين متناظرين من حيث الشكل، ومتباينتين من حيث المضمون فيما كان الشاعر مأخوذا بتطهير ذاته من أدران العصر بوساطة جمرة الشعر التي ظل ينفخ في رمادها من خلال مجاميعه الشعريّة المعروفة.
في منظور النقد السيميائي
أ.د. فاضل عبود التميمي
جامعة ديالى: العراق
المدخل:
حين اختار د.عبد القادر فيدوح المنهج السيميائي في تأليف كتابه الجديد
لقد وجدتُ نفسي- بوصفي قارئا معنيّا بالشعر ونقده- وأنا أحاول قراءة هذا الكتاب وقد توزّعت بين عالمين كبيرين: عالم الشاعر( ) الذي شغلني منذ زمن ليس بالقليل، وهو يرتقي شجرة الحروف بسلّم الشعر الذي ورثه عن عائلة أعرف كم كانت منحازة إلى الفكر، والكلمة، وجوهر الأدب، وعالم الناقد الذي ارتقى شجرة الكلمة بسلّم النقد الذي أخذه استعدادا، وافتتانا ،وتعلّما لأنْ يكون فكان، وقد سوّلت لي نفسيَ الادعاء أنّ لي صلة قديمة، ومعرفة عميقة بما كتب قبل سنوات بعيدة ،وإن لم ألتقه وجها لوجه فقد التقيته كثيرا على صفحات ما كتب.
إنّ التوزّع بين خطابي الشاعر، والناقد جعلني أعيش تجربتين مختلفتين تجربة الشاعر الذي يقول و يمضى سالكا دربه الذي لا يصلح إلا له، وتجربة الناقد الذي يحثّ خطاه سالكا الدرب نفسه ولكن من مقترب آخر يتقصى فيه أقوال الشاعر ليقيم عند تخومها بقصد تفكيك أواصر لحمتها، وسداها بحثا عن جوهر الرؤية فيها، أو جوهر الخطاب، أو جوهر الرؤيا، أو جوهر حبّة الحياة تلك التي يعيش من أجلها الشاعر مهموما و هائما.
والحق أن توزعي بين الخطابين جعلني أعيش تجربة ثالثة أسلك من خلالها الدرب نفسه الذي سلكه صاحباي ولكن بعدّة محبّ، ورؤية قارئ، ورغبة إنسان يريد أن يجمع الخطابين في خطاب همّه الإشارة الى فاعليّة الشعر في الحياة، وفاعليّة النقد في الشعر لاسيّما السيميائي منه في شعر واحد من أهم من كتب القصيدة الحديثة في سبعينيّات القرن العشرين، ولمّا يزل ضمن جيل عراقيّ وُلد وفي فمه بيت شعر.
اذا كانت(السيميائية) في أدقّ مفاهيمها وأيسرها
قُدّر لي أن اقف عند خطاب الشاعر، أي أن أقف عند إشاراته ،وهو يختزل من خلالها اللغة، ومواقف الوعي، وأن أقف عند خصيصة استنطاقه المكبوت من أطلس الحياة، فأشعاره كلّها ناطقة بالإشارات المحيلة على المعاني الثواني البعيدة في سلسلة التلقي العتيد حتى الجمادات، والمعاني العقليّة في شعره تنطق بقوة المجاز، ودلالة التشكيل المركب بما هو استثنائي فاعل في النمط المتعالي على اللغة الحقيقيّة ،ولهذا صارت تهويمات الشاعر، ومرموزاته ،وإشاراته ،واستعاراته ،وكناياته ، وإحالاته ،ونجاحاته ،وإخفاقاته (تقترف) الانتماء إلى حقل التحسس العلاماتي، وكذلك ألفاظه ، وعواطفه، وانفعالاته، وإشكالات وجوده التي تفصح عن سيمياء لم يتعمدها الشاعر، وإنّما جاءت عفو الخاطر بفعل عوامل التخيّل، والإبداع التي يصعب الإمساك بها، أو توجيه مساراتها.
إنّ كثرة رموز الشاعر بما تحمل من ايحاءات جعلت الناقد ينساق وراء تشكيلاتها لغرض الكشف، والاكتشاف، ومن ثمّ الإحالة على تعالق دوالها بمداليلها سواء أكان ذلك بالتحليل، أو التأويل، أو استنطاق الراكس في العمق حتى تساؤلات الشاعر الكثيرة التي تركها بلا إجابات كانت، ولمّا تزل تدعو الناقد لأن يجيب عنها بما يمتلك من وسائل كشف تقرأ الأساليب لتعلي من شان سياقاتها.
لقد وُفّق الناقد وهو يقترب من شعر الشاعر وفي عقله تنبض أسئلة السيمياء في مفهومها المطلق من عقال الاختلافات المصطلحيّة، والإشكالات المعجميّة متجاوزا إرث الحراك المبني على هوامش التناحر ليدخل المتن متسلحا بقراءة الرموز، والإشارات، والدلالات التي تحمل طاقات مولّدة الشعر وهو يتقدم موكب الحياة لاعنا كلّ سوء، وظلام، راصدا السلوك الشعري للعلامة وهي تنبجس دلالة وشكلا في ظهورها الناهض من بين السياقات، وغيابها المستتر خلف هضاب الروح.
وإذا كان المبحثان: الأول، والثاني قد أحالا على(المعنى) صراحة، فإنّ المبحث الثالث قد أحال ضمنا عليه في
بُنيت المقدمة على وفق رؤية غير تقليديّة تجاوزت الشكل الأكاديمي الذي يرتضي أن تكون المقدّمة بفقرات معروفة، تبدأ بالحديث عن العنوان ،وأهميّة الموضوع ، لتقف عند المنهج المتّبع في الكتابة مارّة على أهمّ المصادر والمراجع دون أن تنسى عنوانات الفصول والمباحث، والإشكالات التي مرّت بها خطة البحث، في مقدمة الكتاب أتاح الناقد لقارئه أن يكتشف المنهج من دون عناء، فمن الإشارات أنفسها استطاع أن يفكّك عنوان الكتاب ليهتدي إلى المنهج منطلقا من حقيقة الوظيفة الكامنة فيه ،فـ(الأيقونة) مثلا في عنوان الكتاب
ويبدو لي أنّ اختيار الناقد للمنهج كان متساوقا مع لحظة اقتراح العنوان، لتتشظى فيما بعد دلالاته على متن الكتاب ليكون العنوان نفسه، كما يؤكّد الناقد جميل حمداوي مؤشّرا دالّا يسهم في تعيين النوع الأدبي، كونه مفتاحا إجرائيّا يمدّ الناقد، والقارئ بمجموعة من المعاني التي تساعد في فكّ رموز النص، وتسهيل لحظة الدخول في أغواره، وتشعّباته الوعرة، ومنهجه، وكلّ ما له صلة به( ).
وإذ أَقْدَمَ الناقدُ د. عبد القادر فيدوح على قراءة شعر أديب كمال الدين، فقد كان متيقّنا أنّه أقبل على مجازفة هدفها الكشف عن واسطة فيض الكلمة، وواسطة مَدِّ العبارة ضمن الاستعارة المطلقة في شعره، أي أنه وضع نفسه إزاء هدف الكشف عن غاية الشاعر وهو يسعى إلى تقديم معنى المعنى، وجمع المتباعد من الرؤى؛ لإبراز السياق الدلالي القائم على بنية الكلمة الشاعريّة التي تَسِمها جماليّة التوظيف، في شتى مستوياتها الصوتيّة والتركيبيّة أيضا.
لقد ايقن الناقد أنّ الشاعر يقيم عند تخوم (القصيدة السِّمة)( ) التي تجاوز بها د. فيدوح "القصيدة الصورة" بترجيحه استعمال (السِّمة) بديلا عنها، فقد وجد عن قرب أنّ السّمة فيها ما يتطابق مع لغة الشاعر التي تسمو على كل ما هو متساوق وطبيعي في العملية الإبداعيّة، أي أن الناقد عقد العزم على قراءة الشاعر سيميائيّا مدركا رحلته (الكشفيّة) في صورتها الإبداعية، وقد دبّت في الناقد روح التماهي مع المطلق، وسرى في عروقه الشعور بمسؤوليّة البحث عن يقين محور الكون، بدافع خلق عوالم ممكنة، ضمن حدود الأدب وما يقدّم من ايقاعات ضامنة لديمومة حياة الإنسان، وازدادت مسؤوليّته أكثر حين وجد في إرادة الشاعر ما دفعته إلى محاولة معرفة يقين الوجود من شتى السبل، أي أنّ الإرادتين الشعريّة والنقديّة التقتا عند حدود التفاهم الإبداعي بين ما هو حياتي موغل في وجوده الإنساني الشفيف، وما هو فنيّ يعبّر عن تطلعات الإنسان.
الإشارات السابقة مستعارة من خطاب الناقد وهي واضحة الدلالة تحيل على طبيعة المنهج المعتمد في معاينة شعر الشاعر، وقد أخَذَتْ الناقد إلى منطقة الوضوح المنهجي التي بدا من خلالها وقد تماهى فكره النقدي مع الفكر الشعري للشاعر في جماليّة سرت بهما ليلا وهما يحتطبان كلّا في غابة خاصّة بحثا عن عشبة كنز اليقين، فقد كانت هويّة الذات في رؤيا الشاعر مرقاة الناقد لاكتناه عالمه الشعري، بوصفه منتوجا يعكس صورتين متناظرين من حيث الشكل، ومتباينتين من حيث المضمون فيما كان الشاعر مأخوذا بتطهير ذاته من أدران العصر بوساطة جمرة الشعر التي ظل ينفخ في رمادها من خلال مجاميعه الشعريّة المعروفة.