ما هو الإنجاز الحقيقي للدولة ؟ ــــــ بقلم : أ . محمد رميلات

صفية عماري

عـــضو برونزي
إنضم
27 أبريل 2010
المشاركات
534
مستوى التفاعل
1
النقاط
18
الإقامة
الجزائر
غير متواجد
الإنجازات الكبيرة للدولة ليست بناء المساكن الكثيرة للساكنة ، ولا زيادة الطرق السيارة ، ولا وفرة عربات القطارات السريعة ، ولا مد الجسور المُعلقة ، ولا تشييد السدود العملاقة ، ولا بناء المطارات الواسعة ، ولا إنشاء الحدائق الغناء ، ولا إنجاز المولات التجارية الكبيرة ، ولا شق الأنفاق في الجبال ، ولا تسيير عربات التيليفريك بالحبال ، ولا تعمير المشافي والعيادات ، ولا إقامة ناطحات السحاب ... هذا مفهوم سيء لمعنى الحضارة !!! الإنجاز الكبير للدولة هو بناء الإنسان الواعي بناءًا أخلاقيًا عاليًا ، الإنجاز الكبير للدولة هو إعداد المواطن الصالح الذي لا يكذب ولا يغش ولا يشهد الزور و لا يحسد ولا يغتب ولا يتكبر ولا يغتر ....الإنجاز الكبير للدولة هو إعداد جيل تَرَبَّى على الصدق والفضيلة والنظافة والنظام واحترام القانون ، الإنجاز الكبير للدولة هو تنشئة الأجيال التي تعرف الحلال والحرام ، وتعرف الحياء والأدب ...هذه هي الإنجازات الكبيرة للدولة !!! وهذا هو المعنى الحقيقي للحضارة ، وهذا هو المعنى الأصح للرقي والتمدن ، ألم يقل الأولون " الناس على دين ملوكهم " ؟ والإنطباع الحسن عن الدولة الذي يُبهر النفوس ويُدهش العقول ليس في مظاهر الترف المبثوثة هنا وهناك ، بل في أخلاق الساكنة الذين إن سعيت بينهم شعرت بالألفة والمحبة تغمرك من كل مكان ، وإن مشيت في أسواقهم لم تسمع صخبًا ولم ترى قذى ، وإن بعت أو ابتعت لم تجد غُبنًا في بيعك ولا شرائك ، وإن قصدت جامعاتها ومعاهدها لتتعلم الطب أو الطيران أو القضاء لم يسألوك عن أبيك أو جدك إن كانوا من الدهماء أو من أصحاب المناصب العليا في الدولة أو من ذوي النعمة واليبسار ، ولم يطلبوا منك رشوة ولا عمولة ، وإن تجولت في قراهم ومدنهم لم ترى سوى الإبتسامة والبشاشة التي تملء الوجوه ، ولم تسمع سوى الكلمات الطيبات تحوطك من كل مكان ، وإن تعاملت مع الإدارات والهيئات الرسمية فيها لم تلتمس من الموظفين سوى المرونة والسهولة والتيسير ... المنطلق الحقيقي لإشاعة دولة الأخلاق بين الناس هو المدرسة ، هو الجامعة ، هوالجامع ... لكن !!! ... كيف نحقق الهدف المنشود ، وجامعاتنا في ذيل الترتيب العالمي ، كيف نحقق الأمل الموعود وكلياتنا ومعاهدنا تمنح للمتخرجين فيها شهادات زور يوقعها ويختمها عمداء الجامعات ، ورؤسائها ، ومديرو أقسامها ؟ كيف نحقق شيئا مما نصبو إليه ، بينما الرحم مقطوعة الأوصال بين التربية والتعليم منذ زمن بعيد ؟ كيف ترتقي الدولة التي تجعل بين الدراسة النظرية والتكوين التطبيقي حجابًا وحِجرًا محجورًا ؟ كيف تعتلي الدولة مراتب الأخلاق بين الأمم ، و وزارة تعليمها لا تحمل من التربية إلا الإسم ، من أين تأتي التربية والأخلاق ومساجدنا مؤطرة بالغلمان والولدان الذين ينصبون المجرور ويرفعون المنصوب ، وإذا وقفوا للصلاة الجهرية سَمعت من اللحن ما يوجب الغثيان ...؟ من أين تنفذ الأخلاق وجوامعنا ساحات جدل عقيم ونقاش سقيم ، بين الوهابية والمداخلة والإخوان والصوفية ؟ ... الدولة تحتاج إلى مربين قبل أن يكونوا معلمين ، وتحتاج إلى علماء عاملين يُصلحون فساد أخلاقها بعدد حاجتها لعدد كاف من الحكماء لتطبيب أمراض الساكنة فيها ... إن كثير الأدب مع قليل العلم ، خيرٌ من كثير العلم مع قليل الأدب ، فقد أوصى الإمام مالك تلميذه أبا القاسم فقال له : " يا بُني ، اجعل أدبك دقيقًا ، وعلمك ملحًا " ... يدخل الطالب للجامعة " جاهلا " وهو عيب واحد ، ويتخرج فيها بنقيصتين ورذيلتين " الجهل والكبر "!!! يغتر بالحصول على الشهادة ، ثم ما يلبث أن يتحول هذا الغرور إلى كِبر ... في كوريا وماليزيا وأندونيسا واليابان ... وغيرها من الدول تُدَّرَسُّ مادة التربية الأخلاقية في جميع الأطوار التعليمية وفي كل التخصصات ، يُدَرَّسُ الطالب كيف يصطف في الطابور عند البقال والخضار والجزار عند شراءه لحاجياته اليومية ؟ بل يعلمونه إذا أراد رَمْيَ الزجاج المكسور أن يضعه داخل قارورة بلاستيكية كي لا يجرح عمال النظافة ؟ وقبل أن يلقنوا للطلبة طريقة الحديث مع أستاذتهم وأوليائهم والناس أجمعين ، يلقنونهم كيف يتحلون بكثير من الصمت ، وقلة الثرثرة والهذر ولغو الحديث ، وقبل أن يعلموا الطبيب كيف يعالج العلل والأمراض والأسقام ، يُعلموه كيف يبتسم ؟ وكيف يتعامل مع المريض وأهل المريض ؟ ، ويتعلم المحامي والصحفي والمهندس والطيّار .. التربية والأخلاق في وظائفهم قبل أن يتعلموا المعارف الخاصة بمهنهم ، بل يُدّرس الطلبة حتى أدب الخلاء ودخول الحمام ؟ ، أما منهاجنا ومقرراتنا فهي على النقيض من ذلك ولا محل للأخلاق فيها من الإعراب ، بينما أهم مقصد للتعليم هو التربية ، وإعداد جيل على قدر عالٍ من الأخلاق الفاضلة ، والشمائل الكريمة ... لو أن قومي يعلمون .
 
أعلى