حكاية أبو سعيد و لصوص الضيعة
.
في قرية نائية من سوريا , قدم جمع من رجال القرية إلى بيت أبو سعيد لمفاوضته على بيع الأرض الشرقية التي يملكها إرثاً عن أبيه , أبو سعيد في عامه التسعين , يعيش وحيداً بعد وفاة زوجته منذ سنوات , لا ولد و لا أقرباء , داره غرفتان و فسحة تحت السماء , فيها بئر و دلو للسقاء , زاده بسيط , أكثره خبز و ماء .
في تلك الليلة فاوضه المشتري لأكثر من ساعتين حتى توصلوا معه على اتفاق , كتبه على ورقة مختار القرية و وقع عليه الطرفان , و شهد الشهود , و ثمن الأرض أحدى عشر مليون و مائتا ألف ليرة سورية , و بصم الشاري و البائع على الورقة , و كذلك فعل الشهود , و قبض أبو سعيد الثمن عداً و نقداً , و غادر الجميع الدار, أبو سعيد محتار كيف يخبئ هذا المال الكثير , فحجمه يعادل صرة بحجم 50 رغيف , و بعض الأشرار يتربصون به و قد شاهدوه و هو يعد المبلغ الكبير , الدار بسيطة و ليس فيها مخابئ كثيرة , لكن أبو سعيد يعرف رجال ضيعته , و كيف كانت عيون بعضهم تتألق و هو يقبض و يعد المبلغ , و هداه تفكيره إلى أنسب مكان تكون فيه (جنية العمر) في مكان آمن , فكر لدقائق و نفذ ما فكر به .
.
بعد ساعة من الزمن سمع قرعاً على الباب , ميــــــن..؟ أجاب أحدهم افتح يا أبو سعيد...المختار أضاع نظارته و لا بد أنها في مكان ما حيث كنا نجلس , و هي ضرورية له كي يقرأ القرآن بعد أن يصلي الصبح مع الجيران , شكك بالرواية و عرف أن وراء الأكمة ما وراءها , لكنه كان واثقاً بأن هذين الرجلين لن يجدا مكان المال و لو كانا على قدر كبير من الاحتيال .
بعد أن صار الرجلان داخل الدار , دفعوه ليقع على الأرض و هم يصيحون به أين المال , قال لهم : المال في مكان آمن و لن تجدوه حتى لو قتلتموني , قال له أحدهما : إما أن تخبرنا عن المكان أو لنجدنه رغماً عنك يا جبان , قال ابحثوا فأنا كما تعرفون أيامي في الدنيا قليلة , و إذا وجدتموه فهو حلال عليكم .
فرح اللصان بما قال أبو سعيد و ظنوا أنها بضع دقائق و سيفوزون بالثروة ويغادرون , أشعل أبو سعيد لفافته بعد أن جلس مسترخياً على بساطه في فسحة الدار.
.
و بدأ اللصوص بالبحث تحت الفراش و على الرفوف و في كوة الجدار , ثم انتقلوا إلى الغرفة الثانية حيث لا توجد إلا أنقاض متهاوية , قلبوها كلها فلم يجدوا شيئاً , يحثوا في بيت الخلاء فوجوده خلاء , بحثوا على سقف الخلاء , لم يجدوا شيئاً , تذكروا سطح الدار و تذكروا أن أبا سعيد ذكي و على قدر من الدهاء , و قد يكون هداه تفكيره إلى هذا الحل رغم خطوته على شخص بمثل سنه , و هذا السقف لن يصلوه إلا بمساعدة السلم الخشبي , التقطوه حيث كان ملقى جانب الجدار , نصبوه بسرعة ليصعدوا , لكنه لم يستقم , فإحدى رجليه أقصر من الأخرى بشبر , إذن لم يصعد أبو سعيد على السطح بواسطة السلم , أين النقود , صاحوا به من جديد , قال لهم ألم أقل لكم إذا وجدتموه فهو حلال عليكم , أسقط في يدهم , هم متأكدون أنه لم يخرج من الدار , فقد رابطوا خارج الدار كامل تلك الساعة , و إذا قتلوا أبو سعيد فلن يستفيدوا شيئاً , فتبادلوا النظرات ثم هرولوا مغادرين .
.
في اليوم الثاني وصل قريب أبو سعيد (و هو ابن عم له بعيد) من القرية المجاورة حيث كان على موعد مسبق معه , فروى له ما حدث ليلة البارحة , فدهش كما دهش اللصوص , و قال لأبي سعيد : و أين المال..؟ قال له المال على سطح الدار ...و كيف وصلت هناك و السلم كما أرى ...؟ قال له لقد صعدت بالمبلغ و وضعته على السطح ثم نزلت و قطعت رجل السلم بهذا المنشار .
و هكذا انطلت الحيلة على اللصوص , و الآن أعطني هذا المنشار لأقص شبراً آخر من رجل السلم الثانية حتى يستقيم , فهو – على كل حال - أطول من المطلوب بكثير , ثم اصعد أنت و أحضر المال , و علينا المغادرة سوية إلى المدينة لإيداعه في المصرف , قيل أن يعيدوا علينا الكرة الليلة.